Untitled 1

 

 2010/9/11

 بحث

 

 

تاريخ النشر :29/1/2009 12:07 AM

ثمّ حلقت لحيتي .. تجربة ذاتية مع الجماعات الإسلامية في البحرين

1

فواز الشر وقي

1

فواز الشروقي - صحيفة الوقت البحرينية

 

لم أكتب هذا الكتاب بقصد تدوين سيرتي الذاتية، فما أنا بالشخص المشهور الذي يتهافت عليه القرّاء لمعرفة تفاصيل حياته ويستميتون للاطلاع على مراحل نشأته. كما لم أكتب هذا الكتاب بقصد التشهير بالجماعات الإسلامية بالبحرين، فأنا - رغم اختلافي معها - أدين لها في تكويني الثقافي.إنّ هذا الكتاب هو محاولة منّي للإعلان عمّا يختلج في نفس كلّ عضو في الجماعات الإسلامية حينما يتيح لعقله أن يفكّر ويقدّر ويراجع نفسه ويعيد حساباته، عبر سردي لثماني عشرة سنة قضيتها في رحاب الجماعات الإسلامية أو متصّلاً بها، مركّزاً على حالة الاغتراب التي عشتها والتي يعيشها أعضاء الجماعات، وتؤدّي بهم إلى أن يكونوا حجر عثرة في طريق التقدّم بدل أن يكونوا هم قادة الركب وقائدي المجتمع إلى النهضة والحضارة. وأحسب أن الكتاب يكتسب أهمّيته من أنّه يصف حالة الاغتراب التي تعيشها الجماعات الإسلامية ويبحث عن أسبابها، انطلاقاً من تجربة شخصية عاشها الكاتب عبر اتصاله بثلاث جماعات كبرى، فالكتاب لا يحمل مجرّد انطباعات لمتابع لأنشطة الجماعات وبرامجها، وإنما هو خلاصة تجربة لعضو مثابر بها وصل إلى مرحلة المشيخة مرات كثيرة، ودرس العلوم الشرعية ومارس الدعوة بها وأشرف على مراكز تحفيظ القرآن الكريم، وأشرف كذلك على الصفحة الإسلامية لمدّة سبع سنوات كاملة.

وقد جاء تخصيصي كتابي هذا لعرض تجربتي الشخصية في الجماعات الإسلامية لا لأحشد الناس إلى محاربتها، ولكن من أجل أن تسعى هذه الجماعات إلى تجاوز حالة الاغتراب التي تعيشها، لكي تصبح مؤسساتها مؤسسات فاعلة مساهمة في نهضة المجتمع ودافعة له في اتجاه التقدّم.فأنا أعرف حقّ المعرفة القاعدة الجماهيرية التي تمتلكها هذه الجماعات في البحرين وفي سواها من دول المنطقة، وأتفهّم التعاطف الذي تبديه الشريحة الأوسع من مجتمع البحرين المحافظ بطبعه والذي يدين بدين الإسلام، لذا، فإنّني أزعم أنّ الحلّ لا يكمن في إلغاء هذه الجماعات وفي السعي إلى محاربتها، وإنما في إرشادها إلى الجادّة الصحيحة، حتى تصبح بعد ذلك وسيلة تقدّم بدل أن تكون وسيلة تأخّر.

ولكم تمنيت - وأنا أكتب هذا الكتاب وأعرض تفاصيل تجربتي - أن يقع الكتاب في يد كلّ منضم إلى الجماعات الإسلامية، وأن يقتنع بالأفكار المطروحة فيه، وأن ينشرها وسط جماعته، حتى تتحقّق أمنيتي في أن أرى هذه الجماعات تفتح نوافذها للنور، وتُشرع أبوابها للهواء الطلق.

أوّل اتصال لي مع الجماعات الإسلامية

نشأت وسط أسرة محافظة، ولكنها ليست متدينة. أبي كان يؤدّي الفروض على عجل، وأمي رغم لبسها الحجاب ثم النقاب بعد ذلك لم تكن متديّنة مثلما كانت بعد بلوغي الخامسة عشرة من عمري.

كانت علاقتي بالمسجد علاقة جار بجاره. حين تمّ افتتاح جامع عمر بن الخطاب بمنطقة عراد في العام 1982م كان عمري وقتها سبع سنوات، ذهبت للجامع مع أصدقائي لا للصلاة وإنما لاستكشاف هذا البناء الضخم. وبعده بثلاثة أعوام في العام 1985م تمّ افتتاح مسجد قريب من بيتنا وهو مسجد أسامة بن زيد، وقد زرته لأرى هذا الجار الجديد، ولكنّ المصلّين لم يحترموا حقّ الجيرة، وطردوني وأصحابي بسبب ما أحدثه أصحابي يومها من فوضى. وفي العام 1986م كنت على موعد مع أوّل علاقة بجماعة إسلامية في البحرين، فأثناء ذهابي للصلاة في مسجد أسامة بن زيد برفقة ابن خالتي وأحد الجيران، جاءنا رجل ملتحٍ بغاية التأدّب، ودعانا بلطف إلى الاعتكاف في المسجد والاستماع إلى الدروس التي تلقى هناك.

وفي اليوم التالي، ذهبنا صباحاً إلى المسجد، والتقى بنا أحد الملتحين، وأجلسنا نحن الثلاثة، وقد كنا بين العاشرة والحادية عشرة من العمر. لم يكن لدى صاحب الدرس أوراق أو سبورة وأقلام، وإنما كان لديه حصى. وبدأ بالحصى درسه، حيث كان حظّي أن أتلقى أول درس ديني لي عن الاستنجاء بالحصى. وما زلت أذكر ابن خالتي وهو غارق في الضحك حينما يقوم صاحب الدرس بوضع الحصى حول أصبعه ليمثّل لنا طريقة الاستنجاء من البول.

ثم دعانا إلى ((الخروج)) مغرباً، ولم نكن نعرف ما معنى الخروج حتى انتهت صلاة المغرب والصلوات الكثيرة التي تلته، وخرجنا جماعة واحدة، مكوّنة من مجموعة من الملتحين الضخام، وثلاثة من الصغار، كنت أنا أحدهم، وأخذ كبيرهم يطرق باب كلّ بيت من بيوت الجيران، ويحادث كلّ ربّ منزل، ويدعوه لحضور درس بعد صلاة العشاء، وقد كان بعضهم يستجيبون، ربما لرغبتهم في الحضور، أو لرغبتهم في إنهاء الحديث بسرعة ليكملوا مشاهدة المسلسل بالتلفزيون، أما الباقي، فإنهم يعلنون صراحة عن عدم رغبتهم في الحضور، وينتقدون لبسهم وأشكالهم.

أذكر أننا في إحدى الجولات صادفنا تجمّعاً لجاراتنا خارج البيت (المنظر لم يعد مألوفاً كثيراً هذه الأيام، على الأقلّ في منطقتنا)، فعلّقت جارتنا سليطة اللسان على الرجال الضخام ذوي الثياب القصيرة: والله خوش موديل، بس يبيله جيبون من تحت!.

وقد أمرنا أمير هذه المجموعة بعدم الردّ عليهم، مبيناً لنا أنّ الرسول صلى الله عليه وسلّم قد صادف الكثير من الأذى وهو يدعو الناس إلى الإسلام.

الدروس التي كانت الجماعة تدعو الناس إلى الاستماع إليها محدودة المحاور، تتلخص في الدعوة إلى أداء العبادات، والانضمام إلى هذه الجماعة لتبيلغ الدعوة إلى بقية الناس، وأنّ العاصي سيلقي اللوم علينا عند الله يوم القيامة إذا لم نبلغه الدعوة ومات ولم يلتزم بالدين.ولقد حضرت حوالي عشرين درساً من دروس هذه الجماعة، كانوا في جميع هذه الدروس، يذكرون قصة واحدة، وهي أنّ إحدى الجماعات خرجت لتبلغ دعوة الله إلى الناس، ووصلوا إلى بيت مكتوب على بابه (احذر، كلب شرس)، ولكن عندما دخل أمير الجماعة إلى البيت تحوّل ذلك الكلب الشرس إلى حمل وديع، وكأنّ الكلب مذعن لدعوة الله راغب في أن تصل إلى أصحاب هذا البيت.

كما كنت أذكر أنّ هذه الجماعة تقوم بكثير من الأسفار إلى أمريكا وأوروبا، وكان أحدهم يروي أنّه ذهب إلى أمريكا لتبليغ دعوة الله في أحد المجمعات التجارية الضخمة، ولما حضر وقت الصلاة، وقف هذا الرجل على طاولة وشرع يؤذن بأعلى صوته، ثم أقام الصلاة، وقام بأداء الصلاة هو ومن معه، وكان ينقل لنا مدى تأثر مرتادي المجمع بالصلاة، ولم يفسّر دهشتهم من هذا الموقف سوى أنّه خشوع لآيات الله واستجابة فطرية لكلمات التوحيد!

من خلال هذه الجماعة تعرّفت على عدد من صغار الملتزمين الذين يكبرونني بأعوام قليلة، فقد كانوا هم في المرحلة الإعدادية، وكنت أنا في المرحلة الابتدائية، ووجدت مدى حرصهم على متابعة دروس هذه الجماعة والخروج معهم في جولاتهم على البيوت، بل إنّ هؤلاء الصغار صاروا يقومون بحملات دعوة على غرار الكبار، وصاروا يقيمون دروساً في المسجد لنا، ولقد تأثرت غاية التأثّر بهم.وكان من مظاهر التأثّر أنني صرت لا أفوّت فرضاً في المسجد، وصار القرآن رفيقاً لي، ولقد قمت بتقصير ثيابي، والتزمت بارتداء الغترة المسدل طرفاها على صدري بدون عقال، وقد كنت أسأل الله أن يمنّ عليّ بكرمه وينبت لحيتي بأسرع وقت حتى يكتمل هذا الشكل الجديد الذي أعجبني.

كنا نجلس يومياً مع شيخي الصغير (شيخ الإعدادية) ويحدثنا عن الحلال القليل، والحرام الكثير، وعن الخطط التي يجب أن نقوم بها للقضاء على المنكرات داخل البيت أولاً. وبدأنا طبعاً بأشرطة الأغاني.استغللت خروج بيتنا ذات مساء لزيارة الأقارب في قرية قلالي، وتخلّصت من مجموعة من أشرطة الأغاني، واعتبر شيخي الصغير ما حققته نصراً مبيناً، ودعاني إلى بذل المزيد من الجهد لتخليص بيتنا من باقي المنكرات.

وكنت في ذهابي ورجوعي من المسجد أسلك الطرق غير المسفلتة، وكنت أتحمّل ظلام هذه الطرقات لرغبتي في السير على الرمل والحصى مثلما كان يسير الصحابة رضوان الله عليهم. ولكم كنت أحلم أن أقتني خُفّاً، مثل الخفّ الذي كان يسير عليه الأولون، ولكم كنا نسير مع شيخنا ونتحدّث باللغة العربية الفصحى متحسّرين على عدم تحدّثنا مع أصحابنا في المدرسة وأسرتنا في البيت بلغة أهل الجنّة.

كانت رغبتي كبيرة في الانفصال عن العصر الذي أعيش فيه، والالتصاق أكثر بذلك العصر النوراني، عصر المعجزات والأولياء والصالحين، عصر أولئك القوم الذين لا يخطئون والذين حتى إن ماتوا فاحت أجسادهم بالمسك والعنبر. أذكر أنّ مؤذن المسجد تعارك معي لأنني كنت في كلّ مرة أذكر له أنّه يجب أن يؤذن من منارة المسجد باستخدام حنجرته مثلما كان يفعل بلال في فيلم الرسالة، بدلاً من استخدام مكبرات الصوت الكهربائية. وكنت أحلم دائماً بمسجد أرضيته من الرمل والحصباء، وأن تتورّم جبهتي بفعل السجود وتظهر بذلك زبيبة الصلاة.

موعد أوّل مع الخرافة

بدأت منذ ذلك الحين علاقتي بالخرافة، فقد حدّثني شيوخ هذه الجماعة أنّ الله يبعث الجنّ الصالحين ليوقظوا عباده المخلصين لصلاة الفجر، بعضهم يطرقون الباب ويهربون، وبعضهم ينادون على النائمين من خلف الباب، وبعضهم يبعثون النداء داخل البيت. ولقد كنت أحلم أن أصلّي صلاة الفجر بالمسجد، إلا أنّ خوف أمي من خروجي في الظلام في تلك السنّ المبكّرة حال دون ذلك.

وقد توفيت جدّتي وأنا في الحادية عشرة من عمري، وبسبب انشغال أمي بالعزاء اضطررنا للمبيت في بيت جدّي بقرية قلالي، فوجدت الفرصة سانحة لتحقيق حلمي بأداء صلاة الفجر بالمسجد، خصوصاً أنّ جدّي كان مؤذناً بمسجد (بوعيسى)، فرجوته قبل أن أنام أن يوقظني حتى أخرج معه، فرحّب بذلك مدارياً تعجبه من إلحاحي على ذلك. كان نومي ليلتها متقطعاً، وحين قام جدّي من نومه وذهب إلى الحمام للاستعداد للصلاة كنت مستيقظاً، إلا أنّ سنة من النوم غلبتني، فسمعت أحداً يقول لي: (قم.. قم.. قم)، فنهضت وإذا بجدّي خارجاً لتوّه من الحمام، فنهضت واستعددت للخروج، وخرجت بصحبته متخطين ((بواليع)) قلالي والظلام وأنا منتشٍ بأمرين: تحقيق حلمي بأداء صلاة الفجر بالمسجد، واستيقاظي على صوت الجنّ الصالحين.

نسيت جدّتي ووفاة جدتي، ورحت حاملاً خبر استيقاظي على صوت الجنّي الصالح إلى مشايخي، ولقد هنّأوني على الاصطفاء، وتنادوا للاستماع إلى تفاصيل صوت الجنّي وتوقيته واختياره لطفل في قرية قلالي ليحقق حلم حياته، وظلت هذه الواقعة مصدر فخر واعتزاز لي سنوات طويلة.كان الحديث عن عالَم الغيب، وعالم الجنّ والشياطين يستحوذ على اهتمامنا، ويحتلّ مساحة كبيرة من الدروس التي تقام لنا، ولقد كنت مشدوهاً بهذه الأحاديث، فأنْ تكتشف فجأة بعد أحد عشر عاماً من الحياة على هذه البسيطة أنّ هناك عوالم تروح وتغدو وتشعر وتتألم وتؤذي وتساعد، فإنه أمر يدعو إلى التبصّر والاستزادة.

كانوا يحدّثوننا عن الملائكة الذين يتعاقبون على حراسة عباد الله في الأرض، ففوج يأتي في الصباح، وفوج يأتي في المساء، وكانوا يحذروننا من رمي الأحجار أو سكب الماء الحار أثناء انتهاء نوبة ملائكة الصباح، لأنّ هناك فراغاً بين النوبتين يستطيع الجنّ فيها استغلالها لإلحاق الأذى بالناس، ولقد كنا نذهب لأداء صلاة المغرب في المسجد ونحن مؤمنون بأننا لا نتخطى الشوارع وإنما نتخطى الجن والشياطين، وأنّ أي حركة خارج (السيناريو) ربما تؤدي إلى العقوبة الوخيمة.

وأذكر أنّ وفاة جدتي أحدثت بي وقعاً نفسياً رهيباً، لا لافتقاد حنانها وعطفها وحبها لي، وإنما لخوفي أن يظهر لي جنّ متقمّص صورة جدتي من أحد أزقة حيّنا وأنا ذاهب للمسجد أو راجع منه، مستذكراً عشرات القصص التي رواها لنا شيوخنا والأشرطة التي صرت أسمعها لمشايخ الخليج حول قدرة الجنّ على تقمّص شخصيات الموتى.

وفي لقائي بأحد الملتزمين، أكد لي أنّ أخاه استطاع في الأسبوع الماضي القضاء على جنّي تعوّد على أذيتهم داخل مسجدهم بالمنامة، وروى لي أنّ أخاه قد غافل الجنّي وأمسك به من خناقه وتصارعا وتشقلبا مثل أفلام الإثارة الأمريكية، ثم أخذَتْ أخاه سنةٌ من النوم استيقظ بعدها على صوت أذان الفجر، ليكتشف أنّ الجني الذي صارعه في الليل تحوّل إلى رماد تحته.

وفي إحدى المحاضرات، سمعت شيخاً مشهوراً بإخراج الجنّ من الناس يؤكد أنّه على اتصال دائم بجنّي قصير وله لحية ويلبس عمامة وقد سمى نفسه عبد الوهاب بعد إسلامه، وهو يقيم بالطابق الثاني بالجامع الشمالي بمدينة عيسى. وبسؤالي إمام الجامع الشمالي أكد لي أنّ القصّة مختلقة وأنه لا يوجد في الجامع طابق ثانٍ حتى يسكن فيه عبد الوهاب.

وسرد لنا الشيخ في محاضرته أنّ أحد الأشخاص جاءه مشتكياً من تسلّط جنية عليه، ومجيئها له في كلّ ليلة على هيئة ممثلة مشهورة، مما يضطره إلى مواقعتها رغم زواجه. وروى لنا الشيخ أنّه أخذ يقرأ على الرجل حتى خرجت الجنية، وأراد أن يختبر صدق الرجل، فدعاها مرة أن تكون ليلى علوي، ففعلت، ودعاها مرة أخرى أن تكون نبيلة عبيد ففعلت (هذه الحادثة وقعت طبعاً قبل ظهور أليسا ونانسي عجرم)، فاستغفر الله وطردها بعد أن تأكد من صدق رواية الرجل.

وفي خضم هذه الأجواء، وفي خضم حماسي لتبيلغ دعوة الله للناس وتطبيق شريعته، وإرجاع عصر الإسلام الزاهي، دعتني زوجة عمي للحديث، وبادرتني معاتبة: ((جيد للمرء أن يلتزم، ولكن ليس من المستحب أن يتشدّد، التشدّد غير مقبول لدى طفل في سنّك)).

واستحضرت في تلك المحادثة القصيرة كلّ ما سمعته من مشايخي حول مصاعب الدعوة إلى الله والعوائق التي تعترض طريق الداعية، ومكابدة الرعيل الأول في توصيل دعوة الله إلى القاصي والداني، وكدت أقول لها : (والله لو وضعوا الشمس بيميني والقمر بشمالي...)، إلا أنّي لم أكن أحتاج إلى شمساً أو قمراً، بل إلى كرة قدم.

فقد تغلب ولعي بكرة القدم على كلّ ما حافظت عليه من إيمان وتقوى والتزام طوال سنتين كاملتين، تخلّيت عن الغترة وعن الثوب وعن السواك، ولبست مرة ثانية لباس الرياضة، واستطاعت كرة القدم أن تفعل ما لم تستطع فعله زوجة عمي، وأصحابي. رجعت طفلاً مرة أخرى، بعد أن دخلت خلال السنتين الماضيتين عوالم الجن والشياطين والأرواح الشريرة والخيّرة، وقد نزعت خفّي أبي جهل، ونفضت عنّي غبار زوجة أبي لهب، وألقيت الفئوس التي كنت أحملها لأهدم أصنام الحالة والمحرق والسنابس.

مارست اللعبة كما لم أمارسها من قبل، ربما كنت أريد أن أعوّض السنوات التي فاتتني في الأوهام والخرافات، وعدت طفلاً أكثر من أيّ وقت مضى، ولقد ساهمت عبارات السبّ والتعليقات الجنسية التي يبرع فيها زملاء الكرة في أن أنسى أوهامي بخروج جدّتي من أحد أزقة عراد، وأن أنسى كيف استطعت وأنا طفل أن أحافظ على الغترة فوق رأسي بدون عقال، وكيف كنت أمرّ على جيراني، وأزور أبناء عمي وهم يلبسون القميص الرياضي لنادي المحرّق وأنا أرتدي (يوني فورم) بني عبد شمس.

عالم الجنّ من جديد

لقد تخليت عن ذلك اللباس، وانشغلت بكرة القدم، ولكن كان هناك دافع لديّ دائماً لمن يدفعني للعبادة أكثر، للتشدّد أكثر، وذلك نابع مما تبقى من تأثير مشايخي، حيث إنّ طرحهم دائماً ما يؤكد على أنّ الحياة عبارة عن إشارات خضراء قليلة، وإشارات حمراء كثيرة، فالإشارات الخضراء هي الحلال، والحمراء هي الحرام، وأنّه لا توجد إشارات صفراء ولا بيضاء، وأنّ الاكتفاء بأداء الفرائض والتحلّي بالخلق الرفيع لا يكفي، بل لا بدّ أن يتعرّف المرء على الحرام لكي يتجنّبه، وأنّ المصدر الذي يتعرّف المرء من خلاله على هذا الحرام هو المشايخ.

المشايخ، نعم المشايخ، هم أصحاب الأمر والنهي، هم من يملكون أزمة الأمور، وهم من يتحكم في الناس، وهم من ينصّبهم الناس أصناماً لتقرّبهم إلى الله زلفى، وهم من عيّنهم الناس وكلاء لله في الأرض، فليس بمستغرب أن تجد هواتف المشايخ لا تسكت من المتصلين والمتصلات، فكلّ شؤون الدين ومعظم شؤون الدنيا يملك أسرارها الشيخ، ودخول الجنة مرهون بمدى استطاعة المرء تجنّب ما قرّره الشيخ حراماً.

وبما أنّي قد افتقدت شيوخي الأوائل، بسبب (ضعف إيماني) الذي دفعني للاستغناء عن غترتي المسدولة على صدري، وثوبي القصير، ومسواكي ذي الرأس الأشعث، فلم أجد ملجأ لمعرفة الحرام إلا من خلال الأشرطة السمعية، فقد كانت لدينا في مسجد أسامة بن زيد مكتبة تحتوي على أشرطة لعدد من مشايخ الخليج ومشايخ مصر، وقد بدأت بسماعها واحداً واحداً.

أعجبتني تلك الأشرطة، وعرّفتي بعوالم جديدة، وبنواهي جديدة (وما أكثرها)، وبقصص مثيرة ربما أمتع من رحلات السندباد ومغامرات علي بابا، فلأول مرّة أتعرّف على الشجاع الأقرع الذي ينتظر الميت العاصي في القبر ليلتفّ عليه ويهشم عظامه، ولأول مرّة أسمع الجنّية مرجانة، وهي تتحدّث للشيخ الذي يحاول إخراجها من جسد المريض ويدعوها للتوبة والرجوع إلى الله أو مغادرة الرجل بسلام (ومن إصبع القدم اليسرى رجاءً)، ولأوّل مرّة أستمع إلى قصة الرجل الذي كان يذهب إلى الهند ليزني فيجلس من الصباح وإذا بالدود ينخر في جسمه.

ورغم جبني وخوفي، إلا أنّه تولّدت لديّ رغبة كبيرة في رؤية هذا الشجاع الأقرع، لأصبح من رواة مثل هذه القصص للناس، ولكم حضرت جنازات، وكان الجميع خافض الرأس مطأطئه حزناً وخشوعاً، إلا أنا فقد كنت أراقب حملة النعش، وما إذا كانوا يحسّون بثقل الميت بسبب معاصيه، وهل سيفتحونه فيشعرون بحرارة في بطنه جراء كنزه للذهب والفضة، ومتى سيخرج الشجاع الأقرع ليلتفّ على جسمه، ولكن في كلّ مرة أعود خائباً خاسراً، وأمنّي النفس بالجنازة القادمة.

أما عالم الجنّ، فقد دفعني إلى شراء كتب كثيرة عنه، واستعارة كتب أخرى، وكلّها تروى قصصاً عجيبة عن ذلك الجنّي اللعين الذي يعاشر المرأة ولا يدعها تصلّي بسبب المني الذي يخلّفه على ثيابها، وعن أولئك الجنّ الذين يتشكلون على هيئة قطط سوداء أو عنز ويؤذون كلّ من يؤذيهم. ولقد تسبّب ولعي بهذه القصص المثيرة في أن أقضي الليل دائماً بدون أن أغلق الضوء، وأن أختصر من قضائي للحاجة في الحمام.

أما أجمل ما استمعت إليه، فهي قصص الفنانين ومعاصيهم وتوبتهم، ولقد وجدت من تلك المادّة ما كان يستهوي طفلاً على وشك البلوغ، فهذه الأشرطة ساهمت في ابتعادي وكرهي للفنّ والفنانين، ولكن في عقلي الباطن كانت القصص تستهويني، فلقد جذبتني قصة تلك الممثلة الشابّة التي دعاها المخرج إلى التدريب في بيته لستة أشهر على كلّ الحركات التمثيلية، من الحركات المطلوبة في غرفة الصالون إلى أدق الحركات في غرفة النوم. ولكم ثبتت في ذهني قصة ذاك المخرج الذي كان يصوّر مشهداً تكون فيه زوجته في أحضان ممثل، ويقوم المخرج بإعادة المشهد أكثر من مرّة حتى تكون القبلة بينهما من الأعماق.

ولقد مكثت هذه الصور وهذه المشاهد في ذهني، واستجبت لدعوة الشيخ للامتناع عن مشاهدة الأفلام لما تحتويه من ابتذال، ولوقوعها ضمن مخطط غربي يهدف إلى تقويض الأخلاق وهدم قيم المجتمع، ولم أستطع أن أتخلّص من وقع القصص المروية عن حياة الفنانين والفنانات إلا بعد أن اطلعت على أوضاع النساء في المحاكم الشرعية، ووجدت أنّ ما يحدث بين النساء والقضاة الشرعيين في هذه المحاكم في الدول العربية لا يقلّ فظاعة عمّا سمعته في تلك الأشرطة.

انضمامي إلى الجماعة الثانية

واستمرت علاقتي بالأشرطة وبكرة القدم، أستمع إلى الأشرطة صباحاً، وأمارس كرة القدم مساءً، والأخيرة قادتني للانضمام إلى جماعة أخرى أكبر أثراً وأكثر تنظيماً وأنضج عملاً، فقد دعاني زميلي في المدرسة إلى ممارسة كرة القدم مع طلاب في سنّي بإحدى المدارس، ولقد وافقت على الفور، وأحببت اللعب معهم، وأحببت تودّد مدرّسيهم لي، فلأول مرّة أجد أحداً يوفّر لي الملعب ويرجوني أن أستمّر في اللعب في الأسابيع القادمة.

وأعجبني أكثر أنّهم كانوا ينهون اللعب مع أذان المغرب، فنذهب لنؤدي الصلاة خلف حكم المباراة، فأحسست أني وجدت ضالّتي، فها هنا أستطيع أن أمارس كرة القدم، وفي نفس الوقت أجد من يأخذ بيدي نحو الصلاة والعبادة، فقرّرت أن أستمرّ معهم.

مكثت أسبوعين أو ثلاثة أسابيع وأنا منتظم في ممارسة كرة القدم مع هذه الجماعة كلّ يوم جمعة عصراً، وازداد ارتباطي مع أقراني، وازداد إعجابي بالقائمين على اللعب وحكم المباراة، وازداد حبّي للعب معهم لأني لأوّل مرة أمارس كرة القدم دون شتائم ودون عراك، فاللعب يبدأ بالودّ وينتهي بالودّ أيضاً، ويختتم البرنامج كاملاً بالصلاة، بل هناك شباب قد هيأوا السيارات الشخصية للمرور علينا في منازلنا وإرجاعنا إليها بعد اللعب.ولقد دعاني صاحب السيارة بعد إرجاعي للبيت إلى حضور الدرس الأسبوعي بأحد مساجد مدينة الحدّ، أوه.. دروس أيضاً؟ وافقت على الفور طبعاً، فأنا متعلق سابق بالدروس الحيّة، ومتعلّق حالياً بالدروس السمعية، وأنا في حنين دائم إلى دروس حية أذهب إليها دون غترة مسدلة على الصدر ودون ثوب قصير.

دخلت المسجد، وبدأ الدرس، كان درساً في الفقه، عن الطهارة (الطهارة مرة ثانية؟!)، ولكنه درس بدون حصى، وبدون إحراج، درس حول الماء المعدّ للوضوء، واختلاط الماء بالنجاسة، والوضوء، والاغتسال (كنت أعتقد أنه الاستحمام الصباحي للذهاب للمدرسة)، وهناك فصل مضى عليه سريعاً حول المني والمذي والودي، ولم أكن أعرف معناها ولم أسأل.

كان المتحلّقون للدرس لابسين الثياب البيضاء، وبعض الصغار معهم بلباس الرياضة، أكثرهم حليقو اللحية، وأكثرهم مطيلو الثياب، هم من صنف آخر إذن غير الصنف الذي رافقته ضمن الجماعة القديمة، وحتى الشيخ الذي يلقي الدرس كان حليق اللحية، ولا يختلف شكله عن شكل المواطنين الذين يسيرون في الأسواق ويقبعون وراء كراسيهم في المكاتب الحكومية.

وبعد انتهاء الدرس أتى أحدهم بالمرطبات والكعك وأخذوا يأكلون، فاستحضرت العشاء الذي دعتني إليه الجماعة السابقة، وكان عبارة عن إناء غزير به مرق الخضار، ويمرره الجالسون عليهم فيشرب كل واحد منهم من هذا الإناء بفمه مباشرة، ويناوله لزميله، وحينما رأوا الدهشة بادية على وجهي قال لي أميرهم: (إن الصحابة كانوا يشربون من إناء واحد، ولم يكونوا مثل الجيل الجديد المقلّد للغرب حتى في وسواسه).

إذن رجعت إلى التديّن مرة أخرى: الدروس وأحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم وأفعال الصحابة رضوان الله عليهم والقصص والأشرطة، ولكن عند جماعة أخرى غريبة بعض الشيء عما ألفته لدى الجماعات الدينية الأخرى.وبما أنّ التديّن بالنسبة لي - وكما علمني مشايخي الأوائل - هو تجنّب الحرام، وتغيير المألوف، وإحداث فوضى في النظام العام للحياة، فقد أحدث رجوعي إلى التديّن مرة أخرى قلقاً شديداً، فأثناء احتكاكي بالجماعة الجديدة وسماعي لأحاديثهم وذهابي معهم في رحلاتهم وطلعاتهم كنت أعلن بصراحة شديدة عدم اقتناعي بتساهلهم في الدين.

كنت منزعجاً من تساهل الجماعة مع أعضائهم حينما كانوا يكشفون عما فوق ركبتهم وعن سرّتهم أثناء استحمامهم في برك السباحة، وكنت منزعجاً من حديث السيدات أعضاء الجماعة مع الرجال دون أن يغضضن من أبصارهنّ، وأذكر أنّ أحداً من أعضاء الجماعة رأى في يدي كتاب الكبائر للإمام الذهبي، وقد تصفّحه وأشار لي بأن الكتاب جيّد، ولكنه يتّسم بشيء من التشدّد، إذ لا يمكن - بحسب رأيه - أن يدرج الإمام الذهبي إطالة الثوب ضمن الكبائر ويضعها في مقام واحد مع الزنا وشرب الخمر وأكل مال اليتيم، ولقد سكتّ منبهراً: هل هناك امرؤ يجرؤ على تخطئة إمام بحجم الإمام الذهبي؟!

وأذكر أنّي خلال أشهري الأولى على انضمامي للجماعة، ورغبتي في الرجوع إلى التديّن، كنت أضيق ذرعاً بهذا اللبس عند الجماعة، وبعدم وضوح الفواصل بين الحلال والحرام، وبتساهلهم في الدين، لذا، فقد كنت أثناء مروري بمساجد السلفيين أجد الرغبة لديّ واضحة في أن أدخل وأنخرط مع جماعتهم التي بها الحلال بيّن والحرام بيّن، فإذا اجتنبت الحرام البيّن دخلت الجنة، أما إذا فضلت الاستمرار مع الجماعة الجديدة، فربما تلتبس عليّ الأمور، فأظلّ مستمرّاً في ارتكاب الحرام ظنّاً مني بأنه حلال وبذلك لن يكون مصيري إلا إلى النار وبئس المصير.

الموسيقى الضحية

أثناء فترة اللَّبس التي عشتها، والفترة المرحلية بين الجماعة القديمة والجماعة الجديدة، اتخذت موقفي بشأن الموسيقى. كنت قد انضممت إلى الفرقة الموسيقية بمدرسة عراد الابتدائية منذ الصف الثاني الابتدائي، وقد بقيت في هذه الفرقة إلى أن أصبحت قائدها منذ الصف الرابع إلى الصف السادس، وقد كنت أعزف على آلتين وهما الميلوديكا والأوكروديون، وفي البيت كنت أعزف على الأورج والجيتار.

وحين وصلت إلى المرحلة الإعدادية بمدرسة طارق بن زياد دعاني مدرس التربية الموسيقية هناك إلى الانضمام إلى الفرقة الموسيقية، بعد توصية من معلم التربية الموسيقية بالمرحلة الابتدائية، ومكثت في الأول الإعدادي في الفرقة، وبعد عام جاءنا الموسيقار الأستاذ خليفة زيمان مدرساً للتربية الموسيقية.

كنا نأتي للتدرّب والعزف قبل قرع جرس الطابور الصباحي، وأثناء الفسحة كلّ يوم، وأحياناً في فترة العصر، وما زلت أذكر ذلك اليوم الذي كنت فيه أعزف موسيقى مسلسل رأفت الهجان، ولم أكن أدري أنّ الجميع يستمعون لي، وبعد انتهائي من العزف، وجدت أنّ الأستاذ خليفة زيمان يصفّق لي وجميع الطلاب يصفقون بين معجب بالعزف وبين حاقد على إطراء زيمان لي. ولكن بعد أسبوعين أتيت للموسيقار خليفة زيمان، وأبلغته بخبر صعقه جداً:

- لن أستمرّ مع الفرقة.

– (بدهشة بالغة) لماذا؟

- لأنّ الموسيقى حرام!

- ولكنك موهوب، وقد كنت أفكّر في دعوتك للانضمام إلى فرقة أجراس الموسيقية، وبالأمس أبدعت في عزف موسيقى مسلسل رأفت الهجان!

- ولكن الموسيقى حرام!

- ليس هناك ما يثبت ما تقول، مَنْ قال إن الموسيقى حرام؟ الموسيقى في حياتنا كلها، كيف نتخلص منها، إذن نستغني عن جزء أساسي من حياتنا.

 .................-.

- إذا أتيت لي بما يقنعني بأنّ الموسيقى حرام، فأنا أول من سيترك الموسيقى.

انصرفت مزهوّاً بما أقدمت عليه، وفور عودتي من المدرسة، ذهبت لمكتبتي الصغيرة، وأخرجت أحد الكتب التي تتحدث عن الموسيقى وحرمتها (وما أكثرها)، وذهبت به في اليوم التالي إلى الموسيقار خليفة زيمان. قرأه على عجل، وحدّثني بحديث قصير ومركّز حول الأحاديث ومدى صحتها، وبأنّ تدوين الحديث جاء متأخراً، وأنّ كثيراً من الأحاديث ربما تكون موضوعة، وحدّثني عن ضرورة معرفة المناسبة التي قيل فيها الحديث لو ثبت، ولكني كنت قد اخترت طريقي: الحرام حرام، والحلال حلال، فأيَّ الطريقين أختار: طريق الجنة، أم طريق الموسيقى المفضي إلى النار؟ تبّاً للموسيقى، وتباً للأغاني.

تخلصت من جملة ما تخلصت من الأورج الذي كان رفيقي دائماً في البيت، والذي كنت لا أفارقه إلا للعب كرة القدم أو للنوم، سألني أخي: هل نعطيه ابن خالتي إذا كنا لا نرغب فيه، فردّدت عليه: وهل تريدنا أن ننشر الإثم؟ فقام أخي من فوره بتحطيم الجيتار، رفيقه هو الآخر، وبذلك خلا بيتنا من المعازف والأغاني.

نقلت ما دار بيني وبين خليفة زيمان إلى كبار جماعتي الجديدة، وحدّثتهم عن تخلصي من معازفي، فباركوا لي هذه الخطوة، وأيدوني بها، وعرّفوني على موسيقاهم الخاصة، الموسيقي الحلال: الأناشيد.

ولادة الشعر عندي في أحضان القنابل

لم تكن الأناشيد هي البديل الذي وفرته الجماعة لي عن الموسيقى، بل حتى عن الشعر. وعلاقتي بالشعر بدأت منذ كنت في الثانية عشرة من عمري، حيث كنت أعبث بكتب أمي المدرسية التي كانت تحتفظ بها منذ أن تخرّجت، واستوقفتني فجأة قصيدة إيليا أبي ماضي (الطلاسم)، وبخاصة ذلك المقطع:

قد سألت البحر يوماً: هل أنا يا بحر منكا

أصحيح ما رواه بعضهم عني وعنكا

أم تُرى ما زعموا زوراً وبهتاناً وإفكا

ضحكت أمواجه مني وقالت: لست أدري

وحينما بلغت المرحلة الإعدادية، تفاجأ مدرس اللغة العربية بحفظي لهذه الأبيات، وتساءل ما السرّ الذي يدفع طفلاً في الثانية عشرة من عمره لتستوقفه هذه الأبيات، ومنذ ذلك اليوم وديوان أبي ماضي يلازمني دوماً، إلى أن صعقني أحد الأعضاء الكبار بالجماعة حينما وجد عندي الديوان، وأشار لي أن أتجنّب بالتحديد قصيدة (الطلاسم) لما بها من إلحاد.

ونظراً لاهتمامي الواضح بالأدب والشعر، فقد أهداني أحد أعضاء الجماعة شريطاً لأحد المشايخ المشهورين، كان يقول فيه: (أدونيس على وزن إبليس، وحسّان (يقصد حسان بن ثابت) على وزن رضوان)، داعياً المستمعين إلى الابتعاد عن قراءة (كفريات) أدونيس والاكتفاء بقراءة (إيمانيات) حسان بن ثابت شاعر الرسول صلّى الله عليه وسلّم.

أما فيروز، فقد كانت لا تذكر، إلا وتذكر معها أغنيتها (الكفرية):

أعطني الناي وغنِّ فالغنا سرّ الوجود

وأنين الناي يبقى بعد أن يفنى الوجود

ويدور الحديث دائماً حول كيفية السماح لمثل هذه الكلمات الكفرية بالانتشار في مجتمع مسلم، إذ إنه حينما يفني الوجود لا يبقى إلا الله والواحد الأحد.

أما نزار قباني، فهو عند الجماعة ليس سوى ذلك السكّير العربيد الذي لا ينفك يصف المرأة من ناصيتها إلى أخمص قدميها. والذي وفّر على الشباب رؤية الأفلام الإباحية بما يوفّره من وصف دقيق للزنا وللعلاقات غير الشرعية على الفراش. فكان يلزمني، بحسب رؤية الجماعة، أن أتعلق بالأدب وأحبّ الشعر، بدون إيليا أبي ماضي الملحد، وبدون نزار قباني العربيد، وبدون فيروز ناشرة الكفر والضلال.

ولقد كان حظّ موهبة الشعر عندي أن بدأت وأنا ملتحق بهذه الجماعة، وأنا لا أملك من مخزون الشعر عندي سوى ما بقي من قراءاتي الأولى لإيليا أبي ماضي وغيره، وسوى ما أسمعه في كلمات الأناشيد التي وفرتها لي الجماعة بديلاً للأغاني. فلم أكن أستحضر سوى ما يرد في هذه الأناشيد، من مثل:

لبيك إسلام البطولة كلنا نحمي الحمى

لبيك واجعل من جماجمنا لعزّك سلّما

أو من مثل:

بارودتي بيدي وبجعبتي كفني

كابول فانتظري فجري ولا تهني

أو من مثل:

اذكر هجوم هادم اللذات وفجأة الزوال والممات

واعمل بما يرضي الإله عنك من قبل أن تأتي المنية والوفاة

وأذكر أنّ أول قصيدة قد نشرت لي في الصحافة المحلية كانت عن انتصار (المجاهدين الأفعان) على القوات السوفيتية، وقد قمت بكتابتها استجابة لطلب من أحد أعضاء هذه الجماعة، وقد حصلت على ثناءات عديدة، وكان عمري حينها ستة عشر عاماً.

أما القصيدة الأشهر، فقد كانت تلك التي كتبتها ولم يتعدّ عمري السابعة عشرة، حول طفل من البوسنة زارنا في البحرين، ووجدته يبكي، ربما لفراق أبويه، وقد نُشرت هذه القصيدة بنشرة الجماعة الشهرية على صفحتين كاملتين، وكنت على موعد حينها مع الشهرة. وبقدر ما حققت لي هذه القصيدة من شهرة على مستوى الجماعة، فقد آذت مسيرتي مع الشعر، فقد حوّلتني هذه القصيدة من شاعر صغير، إلى قناة إخبارية، مطلوب منها أن ترصد ما تمّر به الأمة الإسلامية من آلام وحروب ونقلها شعراً، ولذا، فقد ألفت عدّة قصائد حول القدس والانتفاضة، وكنت مجبراً للكتابة عن كلّ حدث يطرأ بفلسطين، من محادثات السلام في مدريد وأوسلو إلى اتفاقية السلام، ولقد لامني أعضاء الجماعة في عدم كتابتي أي قصيدة عما يعانيه إخواننا في الشيشان.

وبالإضافة إلى تحوّلي إلى قناة إخبارية شعرية، فقد انحصرت مواضيعي الشعرية أيضاً حول الاستعداد للممات ومشاعر الذاهبين إلى العمرة، والأخوة في الله، وغيرها، إلا أنّ موضوع الحبّ في قصائدي ظلّ تائهاً بين الحروب والمقابر، فمتى يمكن أن يكتب الشاعر عن الحبّ إذا لم يكتبه في فترة المراهقة وفترة الجامعة؟

وجزاءً على تحوّلي إلى قناة إخبارية شعرية، فقد تمّ إعطائي عضوية عامل في رابطة الأدب الإسلامي العالمية، وقد دعيت في صيف العام 1996م إلى مؤتمر الرابطة في اسطنبول وكنت حينها في العشرين من عمري، وكنت أصغر عضو في هذا المؤتمر.

وقد حضر المؤتمر نخبة من المشايخ، يتقدّمهم الشيخ حسن الندوي رحمه الله والشيخ الدكتور يوسف القرضاوي والأستاذ محمد قطب (أخو سيد قطب) والأديب والمؤرخ مبارك الخاطر رحمه الله، وغيرهم كثير.

وفي اليوم الأخير، عُقدت أمسية شعرية، شارك فيها الشعراء أعضاء الرابطة، وأذكر أنّني قرأت قصيدة هجاء في الحبّ والعشاق بعنوان (دموع من أجل ليلى)، جاء في مطلعها:

كفكفِ الدمع يا غرير فلا أحسب هذي الدموع إلا لليلى

كفكف الدمع ثم قلّ لي بحقّ هل بحبّ المليحة ازددت عقلا

إنني لا أرى بحبك إلا أنك ازددت فوق جهلك جهلا

فصفّق الحضور بحرارة، وقال لي الشيخ القرضاوي بأنّ القصيدة كانت مسك ختام الأمسية، وهنأتني الشاعرة علية الجعار رحمها الله بعد الأمسية، وقالت لي بأنها لم تتمالك نفسها وغلبتها مدامعها، إذ كان مؤثراً بالنسبة لها رؤية شابّ في مثل هذا العمر ولديه هذه النظر للحب والعشاق، وأهدتني نسخة من ديوانها الشعري.

هكذا عاش شعري وهكذا تربى، ولكن بعدها بأربع سنوات أعلنت إلغاء عضويتي في رابطة الأدب الإسلامي، لإيمان متأخر عندي بأنّه لا يوجد شعر إسلامي وغير إسلامي، وأنّ هذا التقسيم يضرّ بالشعر، وبدأت من يومها كتابة الشعر من غير موعد، بحسب حالتي الشعورية، ووجدت الشعر يقودني إلى الحبّ والغزل.

اكتشاف المرأة متأخراً

الحديث حول الغزل يقودني للحديث عن المرأة، فمثلما تربّى شعري في سنواته الأولى في حضن الجماعة وتوجهاتها، فإنّ المرأة ظلّت لديّ كائناً خرافياً، طوال سنوات مراهقتي، وطوال دراستي الجامعية، ولم أتعرّف إلى هذا الكائن إلا بعد أن التحقت بوظيفتي الأولى.

كان موعدي مع هذا الكائن الخرافي بجريدة الأيام، حيث دخلت إلى الجريدة متدرّباً في العام 1998م، ثم صحافياً في قسم الأخبار المحلية بعد أن تدربت لمدة أسبوعين تقريباً، وكان قدري أن ألتقي بهذا الكائن المسمى بالمرأة في الأيام، ولم تكن أية امرأة، إذ كان حظي أن أدخل عالم المرأة من بوابة عيون زرقاء صافية، وشَعر أذيب بأشعة الغروب، وصوت كالموسيقى.

أين كنت من هذا الكائن الذي يستطيع أن يحلّق بالمرء إلى السحاب بالتفاتة أو بهمسة أو بضحكة خجولة؟ ولمن يُكتب الشعر إذا لم يُكتب لعينين مُفضيتين إلى عالم الطهر والسحر؟ ولا عجب في أن وجدت نفسي شيئاً فشيئاً متجهاً إلى كتابة شعر الغزل، وتصدّرت دواوين نزار قباني مكتبتي، ومن يومها تعرّفت على فيروز (ناشرة الكفر) بأغنيتها:

أنا لحبيبي وحبيبي إلي

هي عصفورة بيضاء لا بقى تسألي

لا يزعل حدا ولا يعتب حدا

أنا لحبيبي وحبيبي إلي

من خلال اتصالي بالجماعة الأولى، واستماعي لأشرطة المشايخ وحضوري للدروس، لم يكن ذكر المرأة يأتي إلا بذكر أنها أحبولة الشيطان، وبأنّ نظرتها سهم من سهام أبليس، وأنها فتنة من رأسها حتى أخمص قدميها.

وكم كنت أحفظ من القصص عن المرأة ومكائدها، عن تلك المرأة المسيحية التي أغوت مؤذن المسجد وهو صاعد للمنارة ليؤذن فلم يكمل أذانه، ودعته ليتزوجها، فمات والصليب معلّق على صدره.

أو قصة الإمام الشافعي الذي رأى كعب امرأة ففقد ملَكته في الحفظ. أو الحديث المنسوب للرسول صلى الله عليه وسلم والذي ورد فيه أنّ أكثر أهل النار من أمته من النساء، وأنّ الكاسيات العاريات المائلات المميلات واللائي رؤوسهنّ كأسنمة البخت المائلة لن يدخلن الجنّة ولن يجدن ريحها.

أما في الجماعة الثانية، فعلاوة على وجود مثل هذه القصص والأحاديث، وورودها في كلّ حديث حول المرأة، ولكن كانت أحاديث تدور أيضاً عن المنظمات الماسونية والمؤسسات الغربية التي تستخدم المرأة ضمن خططها لهدم قيم الإسلام في المجتمعات العربية والإسلامية، وأنّها تجاهد من أجل نزع خمار المرأة وحجابها.

وقبل دخولي الجامعة، كان لدينا اجتماع حضره جميع أعضاء هذه الجماعة المقبلين على الالتحاق بجامعة البحرين، وحضره أحد الدكاترة في الجامعة، وألقى درساً تحدّث فيه طويلاً حول الطرق التي تمكّن الطالب الجامعي من تجنّب الحديث إلى البنات هناك، وكيف أنّ بعض الإخوة من أعضاء الجماعة يضعفون أحياناً، فيبدأون بالحديث مع الزميلات في الجامعة، أو يتبادلون ملازم المقرّرات، وربما يتبادلون الضحكات (والعياذ بالله).

وكان هذا الدكتور (وهو حليق اللحية)، يبيّن لنا أنّ على الطالب الجامعي إذا بدأته الزميلة بكلام أن يخفض رأسه وينسحب، لأنه إذا فتح المجال للكلام في أوّل مرة سوف يتعوّد على الحديث مع البنات.

كان الوضع يشبه وضع الاستعداد للحرب، وبما أنّ البنت كانت بالنسبة لي كائناً خرافياً، فقد طبّقت ما يقوله الدكتور صاحب الخبرة بحذافيره، فحينما انتظرتني زميلتي في التمهيدي بعد انتهاء المحاضرة لتسألني عن صلة قرابتي بصديقتها، فررتُ منها فراري من المجذوم، ولم تعد زميلتي إلى فعلتها مرّة أخرى.

قضيت خمس سنوات بجامعة البحرين، وكانت المرأة موجودة معي في الفصل وفي الممرّات وفي الكافتيريا، ولكنّي وضعت بيني وبينها حاجزاً اسمنتياً، وبذلك ظلت المرأة بالنسبة لي كائناً خرافياً، ولم أتعامل معها إلا عندما التحقت بالصحافة.

ولقد اعتبرت قصص الحبّ التي كنت أقرأها للمنفلوطي والطنطاوي قصصاً خرافية، ينبغي أن أقرأها ولا أومن بها، والغريب أنّني لم أجد أيّ تناقض بين المرأة عند المنفلوطي التي يسمو حبّها بالروح، وبين المرأة عند جماعتي التي هي أحبولة الشيطان وسهم من سهام أبليس!

وفي جريدة الأيام عرفت المرأة، ونظراً لأني كنت أتعامل مع كائن غريب، فقد كنت أرفع المرأة التي تعجبني إلى مقام الملائكة، وكنت أندم بعد ذلك إذا وجدت منقصة واحدة بها، فلم أكن أتقبّل من ملَك هفوة أو غلطة، فالملائكة لا تخطئ. واستطعت شيئاً فشيئاً أن أتجاوز هذه التصوّرات، وكنت أشبّه نفسي بالطفل الذي تأخذه أمه لأوّل مرة إلى المدرسة، فيبكي في أول يوم، ثم تغدو مدرسته بالنسبة إليه عالمه المفضّل، ثم يعود إلى رشده فيعرف حجم المدرسة بالنسبة إلى عالمه الكبير.

ولقد كنت طفلاً بمدرسة المرأة، ولكنّي طفل في الثالثة والعشرين من العمر.

الخرافة مرّة ثانية

يوم أن قرّرت الالتحاق بالمعهد الديني في المرحلة الثانوية، لم تفضّل جماعتي ذلك. كان اختياري نابعاً من شغفي وحبّي للغة العربية وللشعر ولم يكن نتيجة تعلّقي بتحصيل العلوم الشرعية، وعرفت أنّ مناهج اللغة العربية في المعهد الديني من أفضل المناهج في بلدي. ففي المعهد الديني درسنا شرح ابن عقيل في النحو كاملاً، فيما كنا في قسم اللغة العربية بجامعة البحرين نأخذ أجزاء منه فقط، ودرسنا البلاغة كاملة والصرف كاملاً والعروض ببحوره الستة عشر، بالإضافة إلى النحو والصرف والبلاغة التي نأخذها أثناء دراستنا للتفسير والحديث.

أما جماعتي، فقد نصحوني بأن ألتحق بالمسار العلمي، وأن أصبح بعدها طبيباً أو مهندساً أو محلّل نظم إلكترونية، ولقد قال لي أحد الأعضاء الكبار: (بصراحة، نحن في الجماعة نحتاج إلى مهندسين وأطباء أكثر من حاجتنا إلى مشايخ دين). ولكني كنت قد عزمت على الالتحاق بالمعهد الديني وسجلت اسمي رسمياً هناك.

هذه الرغبة التي تمّ الإعلان عنها لي، هي السرّ وراء الوفرة في المتخصصين في الهندسة والطب والكمبيوتر في هذه الجماعة، أما التخصص في الشريعة فقد كان يترك لـ(العنيدين) مثلي، أو للذين لا يتوسّمون منهم نجاحاً في التخصصات العلمية أو الذين لم يسعفهم مجموعهم في الثانوية العامة في الالتحاق بغير تخصص الشريعة.

والمتخصصون في الشريعة بالجماعة كانوا من خريجي الجامعات السعودية، من جامعة الإمام محمد بن سعود في الرياض أو الإحساء، وهذا ما يفسّر انتشار الآراء الفقهية السلفية عند هذه الجماعة، من مثل الدعوة إلى لبس المرأة للنقاب، أو في حكمهم على الموالد النبوية، أو في موقفهم من الأشاعرة والماتريدية في مسألة صفات الله.

ولعلّ هؤلاء المتخصصين الذين يكون أغلبهم من ضعيفي التحصيل الدراسي والذين قادتهم مجاميعهم الضعيفة إلى دراسة الشريعة هم السبب وراء انتشار التفكير الخرافي وتصديق القصص الخيالية والفنتازية في أوساط الجماعة، رغم ما تحتويه هذه الجماعة من متخصصين في شتى أنواع العلوم ومن دكاترة وأكاديميين.

أذكر أن مراحلي الأولى مع هذه الجماعة صادفَت اشتداد الحرب بين أفغانستان والاتحاد السوفيتي، وقد كانت تصل إلى الجماعة نشرة يومية يصدرها (المجاهدون) هناك وتعلّق على لوحة عند مدخل مقرّ الجماعة، ترصد آخر الأخبار، والمعجزات التي تحدث كلّ يوم.

وكان قادة المجاهدين الأفغان يأتون إلى البحرين لسرد قصص جهادهم والكرامات التي منّ الله عليهم بها، وكانت كتبهم ومقالاتهم بين أيدينا تزخر بالعديد من القصص الفنتازية الغريبة، ومنها أنّ أفغانياً حاصرته دبابة روسية في زقاق، ولم يكن يملك سلاحاً، فقام وأخذ حفنة من التراب وقذف بها إلى الدبابة وصاح: (الله أكبر)، فانفجرت الدبابة، ولم يصب هو بشيء.

وكانت هناك قصص عن الطيور التي يرسلها الله لتنبّه المجاهدين بوصول سرب الطائرات السوفيتية، وكلّ ذلك يلقى التصديق من جمهرة الدكاترة والأكاديميين والمتخصصين في الكمبيوتر بالجماعة إلى الآن.

وأذكر أنّ أحد الزملاء في الجماعة كان يقود سيارته في الساحل الغربي لمدينة الحدّ، فصدمته سيارة يقودها صبيّ في الخامسة عشرة من عمره، وأدت إلى تدهور سيارة زميلي وهو برفقة زملاء آخرين عدّة مرات، وقد أصيب زميلي بإصابات بليغة في الرأس استلزم على إثرها إجراء عدّة عمليات في البحرين ومواصلة العلاج بالخارج.

وبالبحث عن أسباب الحادث، دار نقاش طويل، شارك فيه زملاء جامعيون وذوو وظائف محترمة، وكان يجلس بينهم المتخصصون في الشريعة، بالإضافة إلى الزملاء الذين كانوا في الحادث، وتوصّلوا لنتيجة من هذا النقاش الطويل أعلنه المتخصصون بأنّ الحادث كان نتيجة نسيان قائد السيارة قراءة دعاء الركوب. ومن يومها لم ينسَ الجميع قراءة هذا الدعاء أثناء ركوبهم دوابّهم وسياراتهم.

وفي رمضان، كنا نعتكف في مسجد بمدينة الحدّ من بعد صلاة التراويح إلى صلاة الفجر، ثم نعود لبيوتنا، ولقد كان أغلب المعتكفين بعد خروجهم من الاعتكاف يحرصون على رؤية الشجر وفتح النوافذ لمتابعة تيار الهواء، والاطلاع على البحر، والنظر في الشمس بعد شروقها، لاعتقادهم بأنّ ليلة القدر لها علامات، ومن علاماتها أنّ الشجر ينقلب رأساً على عقب ويمشي، وأنّ ماء البحر يصبح حلواً، والشمس تصبح بيضاء، ولذلك فإنّ أعضاء الجماعة يحرصون على تحرّي هذه العلامات لكي يتأكدوا أنّهم قد أصابوا ليلة القدر.

وما زلت أذكر أنّ أحد الزملاء يحلف لي بأنّ أداءه لصلاة الفجر في المسجد تفتح له أبواب النجاح والفلاح، وأقسم لي أنّ إشارات المرور في طريقه الصباحي تصبح جميعها خضراء إذا كان قد صلّى الفجر بالمسجد، وأنها تصبح على عكس ذلك حينما يصليها في البيت أو تفوته فيصليها والشمس في كبد السماء.أما الدارسون من هذه الجماعة في جامعة الرياض، فهم دائماً ما يروون قصّتين شهيرتين:

الأولى: أنّهم كانوا في حافلتهم راجعين من أداء العمرة في مكة المكرّمة، وبينما هم في منتصف الطريق انتبهوا إلى أنّ خزان البنزين فارغ تماماً، وتوقفت الحافلة. وفشلت جميع محاولاتهم لإيقاف أحد المارّة لتزويدهم بالبنزين، وجلسوا هناك قرابة الساعة. فقام أمير الرحلة، ووضع ماء زمزم في خزان البنزين، وطلب من الإخوة في الحافلة الدعاء، ففعل ماء زمزم مفعوله واستطاعت الحافلة أن تسير والجوّ مفعم بالدعاء والتهليل والتكبير إلى أن وصلوا إلى محطة البنزين القادمة.

والثانية: أنّ الإخوة أعضاء الجماعة في الرياض قد عزموا الخروج في رحلة يوم الجمعة، وقد عزم الجميع على الالتحاق بهذه الرحلة، إلا أنّ أحد الإخوة اعتذر بسبب انشغاله بالمراجعة للامتحان يوم السبت، وقبل أن تخرج المجموعة استخار الله، وخرج معهم وكان في نيته ألا يفوّت الدروس التي تلقى في الرحلة. ولما رجع لم يكن قد راجع أيّ كلمة.

وفي أثناء نومه رأى فيما يرى النائم ورقة الامتحان كاملة بأسئلتها وأجوبتها، وقد صحا من نومه وهو يحفظ كلّ كلمة من أجوبة الامتحان، وفي قاعة الامتحان تفاجأ برؤية الورقة ذاتها التي رآها في المنام، وكانت المفاجأة بأنه قد حقق العلامة كاملة في ذلك الامتحان ونال تقدير امتياز. كلّ ذلك لأنه لم يفوّت الخروج مع الجماعة، ولأنّ يد الله مع الجماعة.

تجربتي القصيرة مع المشيخة

اكتشفت خلال السنوات التي قضيتها في الجماعات الإسلامية أنّ أسهل أمر يمكن للمرء أن يحقّقه أن يصبح شيخاً، فالمشيخة في هذه الجماعات لا تتطلّب كثيراً من التحصيل ولا مزيداً من الذكاء والفطنة، وإنما تتطلّب الرغبة فقط، فمن يرغب في أن يصبح شيخاً سيصبح شيخاً.

بدأ أعضاء الجماعة يسمونني شيخاً على سبيل التندّر يوم أن التحقت بالمعهد الديني وكنت حينها في الخامسة عشرة من عمري، وصار كثير من أعضاء الجماعة يستفتونني في العديد من المسائل، وبما أني كنت قارئاً جيداً للكتب الدينية، ومستمعاً ممتازاً للأشرطة الإسلامية، فقد كنت أجيب بحسب ما سمعته وما قرأته.

وقد بدأت الأسئلة تأتيني على سبيل التندّر، وبعدها صار الأعضاء يسألونني جادّين في مسائل كثيرة، وكنت أجيب بحسب معرفتي، ومن يومها قلّدني الأعضاء اسم شيخ لا على سبيل التندّر وإنما في الحقيقة، وقد اضطررت للإجابة على كثير من الأسئلة التي لا أعرفها احتراماً للقب الذي حصلت عليه بالمجان.

وما هي إلا أيام، رجعت بعدها إلى رشدي، وصرت أردّ جميع السائلين، سواء عرفت الإجابة أم لم أعرفها، وتخلصت من اللقب سريعاً، وعدت أنا ذلك الطالب الذي دخل المعهد الديني حبّاً في اللغة العربية لا طمعاً في المشيخة.

ولكن اللقب عاد لي بعد سنة، بعد أن أخذتُ الإجازة في التجويد والتلاوة، وتمرّست في قراءة القرآن، وحفظت سور البقرة وآل عمران والنساء والمائدة في ستة أشهر متواصلة، وصار القرآن رفيقي الدائم، وجاءنا شهر رمضان، فدعوني لإمامة الناس في المسجد وأنا لم أتجاوز السادسة عشرة من عمري.

كان الجوّ رهيباً جداً، المسجد ممتلئ بالمصلّين، والموعد قد حان لأداء صلاة التراويح، وها هو الإمام الأصلي يقوم فيرفع المايكروفون لأقصى ارتفاع حتى يتواءم مع طولي الفارع، وجاءت اللحظة الحاسمة، وشرعت في القراءة، فزال الارتباك وزالت الرهبة، وأنهيت الصلاة، وإذا بجموع المصلين تهنئني على إتمام الصلاة، وكأني فائز بمسابقة من مسابقات ألعاب القوى، وجميعهم يقولون لي: (جزاك الله خيراً يا شيخ). إنه اللقب مرّة أخرى، ولكن هذه المرّة لم أتقلّده بسبب إجابتي على أسئلة الناس، وإنما بسبب قراءة القرآن. ألم أخبركم أنّ أسهل أمر يمكن أن ينجزه المرء في الجماعات الإسلامية هو أن يكون شيخاً؟!

مكثت أصلّي بالناس في صلاة التراويح وفي صلاة قيام الليل، وفي بعض الصلوات الراتبة، ووجدت أن أكثر ما يعلّق الناس بـ(الشيخ) هو أن يقرأ آيات العذاب وجهنم والقبر بقراءة متأنية، وأن يقوم بإعادتها حتى يشعر باهتزاز أعمدة المسجد من البكاء.

ووجدت أنّ اختيار دعاء القنوت مهما كان دقيقاً وعميقاً، لا يخلق الأثر الذي تخلقه أدعية القبر وأسئلة الملكين والحشر والمتساقطين على الصراط وألسنة النيران، ويكفي صوت متهدّج واحد لكي يغرق المسجد جميعه في بكاء مرّ.

وأذكر أني في إحدى (استعراضاتي) في الدعاء بأحد المساجد، وصلت إلى الفصل المثير وهو فصل الموت والقبر والبعث والنار، وفجأة دخلت في موجة سعال عنيفة، فظنّ النّاس أني أبكي، فغرق المسجد في بكاء عنيف مع كلّ سعلة، وهنأني الناس على إجادتي في تلك الصلاة، وباركوا لي تأثري.

كان الناس يقيسون نجاح (الشيخ) في تراويحه أو في قيامه في مدى قدرته على إبكاء الناس، فالعيون الحمراء بعد الصلاة هي شهادة التميز للشيخ، وأذكر أنّ إمام المسجد الأصلي جاءني مرّة عاتباً لأني كنت قد اخترت جزءاً من أجزاء القرآن لقراءته في صلاة القيام، ولم يحتوِ هذا الجزء على ما يكفي من بكائيات.

المشيخة التي تقلّدتها كانت قد منحتني (وجاهة) بين الناس، فحينما أقبل على مجلس يقدّمني الناس، ولا ينادونني إلا بلقب (شيخ)، ولقد ساعدني طولي الفارع، والتزامي بلبس الغترة والعقال في المناسبات الرسمية على أن أتقن دور الشيخ. ولكن هذا اللقب كان وبالاً على طفل في عمري. فلقد أحسست أن طفولتي مسروقة، وأنّ مراهقتي ناقصة، وأنّه قد حدثت فجوة بيني وبين أقراني في المدرسة والحيّ وحتى في الجماعة، فقد كان أقراني يخرجون في طلعات على الدراجات، ويزاولون كرة القدم بالأحياء، وقد وجدت أنّ المشيخة تحدّني من ممارسة حقّي كطفل.

وبصفة اللامبالاة التي يمنحني الله إياها في كثير من الأحيان، استطعت التغلّب على هذه الازدواجية، فمن يراني شيخاً فليرني شيخاً سواء بالغترة والعقال أو بثياب الرياضة، ومن يراني طفلاً فليرني طفلاً حتى وإن أبكيت في ليالي رمضان قارّة بأكملها.

وبعد ستة أعوام قضيتها (شيخاً) في صلوات التراويح والقيام، راجعت نفسي، فوجدت أنّ لقب (شيخ) صار عبئاً عليّ، ولم يعد يعنيني، وأنا الذي أصبحت مداوماً على حضور مسرحيات مسرح الصواري، وأصبحت مدمناً على سماع الأغاني، فأحببت أن أزاول كلّ ما أحبّه وكلّ ما أنا مقتنع بصحته على مرأى من الناس ومسمع، ودون أن أخفيه عن أحد، وهذا ما لا يمكن أن يتقبّله المصلّون، وكانت هذه هي أسباب تركي المشيخة، فلم أعد أقبل عرضاً لصلاة التراويح ولا لصلاة القيام حتى ولو بالحرم المكّي.

أعرف أصحاباً كثيرين كانوا معي في نفس الجماعة أو كانوا معي على مقاعد الدراسة، وقد آثروا حمل لقب (شيخ)، ومواصلة المشوار، ربما لأنّ قناعاتهم تختلف عن قناعاتي، وربما لانسجام بين أفكارهم وبين أفكار مَنْ (مشيخوهم)، وقد صاروا شيوخاً معتبرين لهم أشرطة كثيرة ولهم صولات وجولات في التلفزيون وفي الجوامع والمساجد وفي الأشرطة.

وأعرف منهم من منّ الله عليهم بمصلّين (درجة أولى) من التجار وعليّة القوم، ومن النساء الموسرات، وربما أثّرت البكائيات بهم، فأغدقوا عليهم من الهدايا الكثيرة، ومن الهبات المعتبرة، وفتح لهم ذلك أبواب الترقّي، وأبواب الثراء، وصاروا ضيوفاً دائمين على مجالسهم ودروسهم، يروون لهم (أنّ الإنسان سيدفن في القبر، وسيأتيه ملكان فيسألانه، فإذا كان سعيداً سيوسّع الله له في قبره، وإن كان شقياً فسيضيق عليه القبر، وسيمتدّ عذابه إلى يوم القيامة).. وكأنها قصة حديثة!

العهد الأبديّ

أثناء رجوعنا من رحلة إلى مدينة الرياض، وبرفقتنا 25 منتسباً للجماعة، بعضهم في المرحلة الثانوية وبعضهم في الجامعة، وقليل منهم موظفون بالإضافة إلى قادة الرحلة من كبار أعضاء الجماعة، كان الجوّ مرحاً، وأصحابي يهزجون بالأناشيد، ويتبادلون التعليقات المضحكة، وفجأة سكت الجميع بعد أن عدّل الأمير من جلسته وقابلنا، وسحب المايكروفون، وألقى درساً قصيراً حول الوفاء بالعهد، والإخلاص للجماعة، مستذكراً مواقف الصحابة والتابعين وسير الأولين ووفائهم بالعهد، ثمّ ذكر ما للجماعة التي ننتمي لها من فضل علينا جميعاً، وما زرعته فينا من أخلاق وطباع وتصرّفات ومهارات، مؤكداً حقها علينا في أن نبقى أوفياء لها لنسدّد الدين الذي وهبتنا إياه.

ثمّ دعا كلّ راكب في الحافلة أن يقسم بأنّه سيستمر مخلصاً لهذه الجماعة، وسيبقى عضواً بها مدى الحياة، وأن يوصّل مبادئها للناس، وأن يظلّ جندياً من جنودها. فسادت حالة من الارتباك بفعل المفاجأة، وعُقدت الألسن، وزاغت الأبصار، وأُسقط في يد الركاب.

لقد انقلب اللعب إلى جدّ، وكان لسان حال الكثيرين يقول: (لقد التزمنا بهذه الجماعة للبرامج الكثيرة الترفيهية التي تقيمها، ولم نكن ننتظر هذا)، وكسر الصمت سؤال أحد الأعضاء: (لماذا نقسم إذن، نحن مع هذه الجماعة ولن نخذلها)، فأجاب الأمير: (ندعو الجميع للقسم، هذا مبدأ سار عليه الأولون، ونحن ملتزمون به).

أخذ الأول المايكروفون، وأخذ يردّد ما أملاه عليه أمير الرحلة: (أقسم بالله العظيم، أن ألتزم بهذه الجماعة، وأن أظلّ وفياً لها ما حييت، وأن أنقل مبادئها إلى الناس أجمعين، وأن أبقى فيها جندياً من جنودها مخلصاً لدعوتها).

ومرّ المايكروفون عبر الأيدي المرتعشة، والأصوات المتهدجة، إلى أن وصل المايكروفون لي، وقد أحسست أنّ القسم مفروض عليّ، وقد بدت عليّ في تلك الفترة - وأنا في الحادية والعشرين - ملامح التمرّد قليلاً، ورغم تعلّقي بهذه الجماعة إلا أني لا أعلم إن كنت سأستمرّ معها أم لا. فأخذت المايكروفون، وقرأت بصوت واثق القسم، ولكني ختمته قائلاً: (إلا إن أراني الله غير ذلك)، فالتفت إليّ أمير الرحلة، قائلاً بأدب مصطنع: (ماذا تقصد من هذه العبارة؟)، ومثلما هو قد أزعجني بفرضه لهذا القسم، فإنني أزعجته بردّي على سؤاله قائلاً: (مثلما سمعت!).

في هذه الجماعة كنا نقضي لحظات مرح رائعة، ولا يمكن أن ننسى البرامج التي كنا نقوم بالتخطيط لها وبتنفيذها، ولقد تعلمنا أموراً كثيرة من تلك اللحظات والأوقات، وخصوصاً في التنظيم والإدارة والتقييم، إلا أنّنا كنّا مجبرين على الالتحاق بما يسمّى (الدورات التربوية)، وهي دورات تقيمها الجماعة للنخب فيها، فالدورة التربوية ليست كالدورات التي تنظمها المؤسسات التدريبية، وإنما هي لقاءات أسبوعية تتطرّق إلى موضوعات شتى، دعوية وتربوية ودينية وعبادية وروحانية، وتتضمن مستويات عدّة، فدورة المستوى الأول هي بمثابة التصفيات في كرة القدم، حيث يتم فيها إلحاق الذين تتوسّم الجماعة فيهم الاستمرارية في الجماعة، وتستمرّ الدورة أشهراً، وإذا ما رأوا في بعض الملتحقين التميز رفعوهم إلى الدورة التالية، وإذا لمسوا من بعضهم عدم الاستجابة اعتذروا لهم وأخرجوهم من الدورة، أما من لم يجدوا فيه تميّزاً ولا تمرّداً فيستمرّ في ذلك المستوى ولا يبارحه.

والفرق بين المستوى والمستوى الذي يليه هو في مدى تشرّب العضو لمبادئ الجماعة، ومدى طاعته وولائه لها، ومدى استعداده للاستجابة لتعليمات قادتها، وحينما يصل المرء إلى الدورات النهائية، يكون قد أصبح لشيخه مثل الجسد الهامد في يد المغسّل.

لقد كانت هذه الدورات بمثابة الاختبار للعضو، فيتمّ فيها بيان إن كان ملتحقاً بالجماعة للاستمتاع والترفيه وحضور البرامج، أو من أجل أن يكون عضواً فاعلاً وعنصراً مطبقاً للوائح وأنظمة الجماعة.

وأذكر أنّنا في هذه الدورات نأخذ مفاهيم دعوية كثيرة، كالجندية والعمل بروح الجماعة وغيرها، ولما وصلنا إلى مفهوم الطاعة، جرى نقاش حول هذا المفهوم، وقد اعترض أكثر من عضو على بعض تفاصيل هذا المفهوم التي تجعل من العضو مسيّراً لا مخيّراً، في حين إن كلّ عمل يقوم به العضو لا بدّ أن يقوم به عن قناعة، فأجابه المسؤول عن الدورة بقوله تعالى: (ما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم)، وأضاف: نحن نبلّغ دعوة الله التي وصلتنا عن طريق الرسول، ومطلوب من الدعاة أن يستجيبوا لتعليمات أمرائهم.

لقد درجت في هذه الدورات مدّة تسع سنوات تقريباً، وتحوّلت فيها من عضو مغلوب على أمره إلى عضو مشاغب متسائل، وللأمانة فإنّ الجماعة استحملت فيّ هذا التمرّد، ربما لأدبي في طرح مشاغباتي، وربما لظنّهم بأنّ هذه المشاغبة ستفضي إلى تسليم وقناعة، ولكنّني كنت قد قرّرت أن أعتزل هذه الدورات، وأن يظلّ عقلي وفكري وقلبي طليقين.

المجتمع المغلق

وأحسب أنّ هذا النمط الإداري والقيادي هو المتسبب في القرارات التي تتخذها الجماعة، والتي يرى المراقبون والمتعاطفون مع الجماعة بأنها لا تتواءم مع المستوى التعليمي والأكاديمي والإداري لأعضائها، إذ إن النمط الإداري والقيادي الذي التزمت به الجماعة، يفرض وجود سلطة عليا للجماعة (مكوّنة من مجموعة قليلة من الأفراد) هي التي تتخذ القرارات، أما بقية أعضاء الجماعة فإنهم منفذون، لأنّ كثيراً منهم كان قد أقسم على الالتزام بهذه الجماعة، وقد تعلّم منذ صغره بأنّ السلطة العليا للجماعة إذا اتخذت قراراً فليس لـ(المؤمنين) أعضاء الجماعة الخيرة من أمرهم، وليس عليهم سوى السمع والطاعة.

وهذه الطاعة المفروضة على الأعضاء لا تقتصر على القرارات الكبرى فقط، بل إنّ هناك تدخلاً من قياديي الجماعة حتى في أبسط الأمور، التي يكون ظاهرها التخيير، ولكن باطنها يؤكد أنّها أوامر. حيث إنّه لا ينبغي للعضو المنضم للدورة التدريبية أن يختار حتى زوجته من غير أن يخبر مسؤول الدورة عمّن تكون هذه البنت ومن هم أهلها.

ويكون العضو صاحب حظوة إن كان قد تزوّج بنتاً قد اختارها له المسؤولون في الجماعة، ولا بدّ أن تكون طبعاً من العضوات الفضليات في الجماعة، وهذا ما يفسّر كون أغلب قياديي هذه الجماعة متزوجين من عضوات في الجماعة نفسها، ربما لضمان استمرار الولاء.

ولقد أراد قياديو الجماعة أن يخلقوا لهم وللأعضاء مجتمعاً خاصّاً، يضعون له قوانينه وأطره وأنظمته، ويحدّدون فيه علاقات الأفراد ببعضهم وعلاقتهم بقيادتهم، وأن يغلقوا جميع الأبواب والنوافذ المؤدية المفضية إلى المجتمعات الأخرى والأفكار المغايرة والتوجهات المختلفة.

ولعلّ الزواج هو أوّل طريق نحو تكوين هذا المجتمع وإحكام إغلاقه، فالأعضاء يدفعون (ولا يلزمون) إلى الزواج من العضوات الفضليات من الجماعة، ليكون أولادهم أعضاء صغاراً في هذه الجماعة، وبذلك تضمن الجماعة أن عضويها (الرجل والمرأة) سيدفع كلّ منهما الآخر للالتزام بالجماعة وعدم التخلّي عنها، بالإضافة إلى كسب أعضاء جدد يلتحقون بالجماعة بدافع البرّ بالوالدين عضوَي الجماعة، ويأخذون مبادئها كنصائح أبوية قبل أن تكون تعليمات دعوية.

أضف إلى ذلك أنّ الدورات التربوية التي يتمّ تنظيمها كما أسلفنا للنخبة تدعو دائماً (من حيث لا تدري ربما) إلى التقوقع والتشرذم، رغم خطابها الظاهر بأنها مع الانفتاح والاحتكاك بكلّ فصائل المجتمع، وبذلك يصبح العضو متغرّباً عن المجتمع وعن فئاته، ولا يستطيع تعميق الاتصال بهم، لأنّ الجماعة قد حشت ذهنه (كحال أي جماعة دينية) بأنّها هي الصواب وأنّ غيرها خطأ، وأنّ احتكاكه بغيره من فئات المجتمع سيبعده عن صواب الجماعة، وسيدفعه من غير شكّ إلى الخطأ.

إنّ المجتمع في نظر الجماعة (كغيرها من الجماعات الدينية) غابة مفزعة، ينبغي على العضو إذا أُجبر على الاحتكاك بها أن يأخذ حذره، فتكون علاقته بالمجتمع علاقة سطحية بقدر الحاجة، وبمجرّد انتهاء حاجته الصغيرة لا بدّ أن يعود إلى أحضان الجماعة، ولذلك تشعر وكأنّ الموظفين أعضاء الجماعة غرباء في أماكن عملهم، وميّالون إلى الانعزال، ويبدو عليهم الحذر والخوف في تعاملهم مع غيرهم، وتعلو وجوههم أثناء تعاملهم مع زملائهم من غير أعضاء الجماعة ابتسامة مصطنعة تشي بكثير من التوجّس.

ومن أجل هذا الأمر، تجد أنّ أعضاء الجماعة يميلون دائماً إلى التوظّف في أماكن تواجد أعضاء الجماعة، فتجدهم مجموعات مجموعات في أماكن العمل، ولا يهمّ إن كان الأعضاء أصدقاء في الجماعة، فيكفي أنهم أعضاء فيها ليحدث الانسجام والارتياح، فربما كان العضو من منطقة الرفاع والآخر من مدينة المحرّق، ولم يلتقيا مع بعضهم من قبل، ولكن بمجرّد ما يعلمان بأنهما من نفس الجماعة تتنزل عليهما السكينة وتغشاهما الرحمة.

وبسبب التقوقع هذا والانعزال، تتبادر إلى أذهان أعضاء الجماعة في أماكن العمل وجود مؤامرات تحاك ضدّهم من الموظفين الآخرين، مرّة يبرّرون المؤامرة باختلافهم عن الآخرين، ومرّة بأنّ الموظفين يكرهون المتدينين، ولا يعلم هؤلاء أنّ أكثر المؤامرات التي يظنون أنها تحاك ضدّهم ناتجة عن عدم ارتياح الموظفين الباقين من انغلاق الجماعة وتحزّبها.

ومن الطبيعي أن تظهر بعد ذلك الإشاعات من زملاء العمل بوجود محسوبية لدى الجماعة (وربما لا تكون تلك موجودة)، وبتقريب عضو الجماعة المسؤول لأعضائه في الوظائف، وأمام ردّة الفعل هذه من الزملاء يتأكد أعضاء الجماعة من وجود مؤامرة لإقصائهم من موقعهم.

تقوقع الجماعة هذا لا يندرج فقط على أماكن العمل، بل حتى في القراءات مثلاً، فأعضاء الجماعة لا يقرأون في الصحف إلا أعمدة الصحافيين أعضاء الجماعة أو المناصرين والميّالين لها، أما باقي الكتّاب، فإنّهم مصنّفون من قبل قياديي الجماعة بتصنيفات ثابتة، هذا علماني، وهذا شيوعي، وهذا ماركسي، وهذا طائفي، فحتى لو قام أحد أعضاء الجماعة بقراءة العمود للصحافيين غير أعضاء الجماعة فإنهم يقرأون لهم وهم يحملون هذه الأحكام المسبقة، ويطلعون على تفاصيل ما كتب بعين المرتاب.

ولذلك فإنّ الجماعة استطاعت أن تصنع لها مجتمعاً وسط المجتمع، ولا يجد العضو الحاجة إلى الاحتكاك بالمجتمع الأصلي، فيكفي أن يتصل بهذا المجتمع النظيف لكي يستطيع مواصلة حياته بالشكل الذي رسمه قياديو الجماعة.

يبدأ العضو في دخول هذا المجتمع الصغير في المدرسة، إذ تقوم الجماعة بإرشاده بألا يسير إلا مع الطلاب أعضاء الجماعة، وحينما يدخل الجامعة، فإنّ الجماعة توفّر له الصحبة الطيّبة فيها، بحيث لا يحتكّ بالجماعات الأخرى، وحينما يريد أن يعمل، فتسعى الجماعة لأن يحصل على وظيفة في الأماكن التي يتواجد بها أكبر قدر من الجماعة، وحتى إن أراد أن يقرأ صحيفة، فإنّ أعضاء الجماعة الصحافيين وكتّاب الأعمدة يستقبلونه في الصحيفة بصورهم المتصدرة لأعمدتهم وبابتسامة عريضة، وكأنهم يقولون له: ((ما لك من مفر)).

وبذلك يعيش العضو وهو مغترب عن مجتمعه، ليس لديه تصوّر عنه سوى التصوّر الذي رسمته الجماعة له، حتى أنّ صحافياً مشهوراً في البحرين حدّثني بأنه كان يتبادل أطراف الحديث مع أحد قياديي الجماعة، وأثناء حديثهم ذكر الصحافي عن انتشار الخيانة الزوجية في المجتمع، فأصابت الدهشة صاحبنا القيادي، وتساءل: هل يمكن للزوجة أن تخون زوجها في مجتمع مثل البحرين؟!

وحتى عندما قرّرت الجماعة الانفتاح في أواخر التسعينات من القرن الماضي، وعقدت لذلك مؤتمراً كبيراً، وكانت الرغبة كبيرة من الأعضاء لذلك، ولكنّ بسبب الخوف والتوجس لدى الجماعة من فئات المجتمع لم تتقدّم الجماعة سوى بخطوات خجولة، وربما قد رجعت في السنوات الأخيرة إلى عزلتها أو أشدّ. وهذه العزلة تلقي بظلالها على دخول أعضاء الجماعة في النشاط الطلابي بجامعة البحرين، وفي أنشطة الجمعيات الشبابية على مستوى البحرين، إذ إنّ المشاركين من أعضاء الجماعة يشاركون في هذه الأنشطة وكأنهم قد وضعوا أنفسهم في كبسولة مضادّة للفيروسات، فهم يدخلون في الفعالية معاً، ويخرجون لأداء الصلاة في وسط النشاط معاً، ويغادرون الفعالية معاً، وسط استغراب من فئات المجتمع الأخرى، و((كأنك يا زيد ما غزيت)).

المسار الإداري والمسار الفكري

وبسبب هذا الاغتراب، نرى بأنّ الجماعة متخلّفة على صعيد الفكر الديني، رغم أنّها متطوّرة (مقارنة ببقية الجماعات الدينية) على الصعيد الإداري والتنظيمي، فالجماعة متطوّرة إدارياً وتنظيمياً، ولكنّ قراراتها تتأثّر بفعل القناعات الدينية التي تؤمن بها وتنطلق منها.

هذا التخلّف الفكري الديني يعود - كما أسلفنا - إلى حالة الاغتراب التي تعيشها الجماعة، فأعضاؤها يتعاملون مع الأفكار الحديثة، التي تحاول تجديد الخطاب الديني وتتطلّع إلى تطهير الفكر الديني مما لحق به من الخرافة والجمود والتحجّر، كما تتعامل مع الفايروسات، وبذلك نجد أنّ المسار الإداري والتنظيمي للجماعة متقدّم جداً على المسار الفكري الديني.

أذكر أنّني كنت مع الجماعة حينما أصدر نصر حامد أبوزيد كتابه ((نقد الخطاب الديني)) وحدثت البلبلة التي انتهت بالحكم بالتفريق بينه وبين زوجته، ولقد كان أعضاء الجماعة يتابعون هذه القضية من منظار الأعضاء في الجماعة الأمّ عبر ما يكتبونه في مجلاتهم وأعمدتهم الصحافية، ولقد هلل أعضاء الجماعة واستبشروا بالخبر، وكانوا يتناقلون الحكاية في دروسهم وجلساتهم، ويقدحون في أبوزيد من غير أن يكلّفوا أنفسهم عناء قراءة سطر واحد.

وهذا الأمر يجعلني أتأكد بأنّ داخل كلّ عضو حسن المظهر حليق اللحية (أحياناً) يقبع سلفيّ جامد، ولا يشفع للعضو أن يكون أكاديمياً أو إدارياً محنكاً أو تقيناً بارعاً، فعندما يُطرح طرح جديد في الفكر الديني، من كاتب ليس عضواً في الجماعة، فإنّ ذلك السلفيّ يظهر ليقصم ظهر كلّ فكرة جديدة، وليعلن محاربتها ووأدها قبل أن تنتشر بين الناس، وينبّه الأعضاء الآخرين إلى خطرها.

السبب الآخر وراء التخلف الفكري والديني للجماعة، هو أنّ مرجعيتهم الدينية تكون في الغالب إلى أعضاء الجماعة الذين درسوا في كليات الشريعة في الخليج، فتشرّبوا بالفكر الديني السلفي الذي يدعو إلى الجمود وإلى محاربة كلّ فكرة جديدة في إطار مفهوم سدّ الذرائع، وأخذ الحيطة.

أما الأحكام الدينية التي تستند إليها الجماعة، ويلمس الناس فيها شيئاً من المرونة والتبسيط والبعد عن التشدّد فتعود أغلبها إلى المشايخ أعضاء الجماعة الأم الذين درسوا في الأزهر في الغالب.

وأذكر هنا جملة من المواقف التي تبيّن مدى التخلّف الفكري الديني للجماعة، فقد كنت على صلة بعضو من الجماعة، وكان يداوم على حلق لحيته كلّ يوم، وفي أحد الأيام، أخبرني على حرصه على تطبيق السنن النبويّة، وعرّج على موضوع اللحية، وأعلن لي عن أسفه لاضطراره لحلق لحيته كلّ يوم، لأنّ كثيراً من الناس ينفرون من دعوة الله حينما يسمعونها من شخص ملتحٍ، وأكّد لي بأنّه بمجرّد زوال هذا التصوّر عند الناس سيقوم بإطلاق لحيته.

والغريب أنّ زوجة هذا العضو، وهي عضو أيضاً في الجماعة، تلبس النقاب، ولا أدري لماذا لم تقم حرمه المصون بتطبيق قاعدته وباستغنائها عن النقاب، في الوقت الذي تنفر الكثيرات من سماع دعوة الله من امرأة منقبة.

وأذكر أنّ الأعضاء في كثير من الرحلات يقومون بالتقاذف فيما بينهم بقشور البرتقال أو البطيخ أو نوى التمر، ويفسرون ذلك بأنّ الصحابة تقاذفوا فيما بينهم بالقشور في أحد أسفارهم، معتقدين أنهم بذلك يطبقون سنة من سنن النبي صلى الله عليه وسلم.

وما أزال أذكر موقفاً يؤكد مدى تأثير الفكر الديني للجماعة على القرارات الإدارية، فلقد أسست الجماعة فرقة للأناشيد تكون بديلة لـ((مجتمع الجماعة)) عن الأغاني، ولقد كانت الفرقة متحمّسة لنشر الأناشيد في كلّ بيت، والقضاء على ما تبقّى من فلول أشرطة الأغاني فيها، ولقد كانت الفرقة تبحث بكلّ جدّ عن الكلمات ((الإسلامية))، وتقوم بتلحينها، وتقوم بعمل البروفات المضنية لهذه الأناشيد على إيقاع الدفوف.

ولقد حاولت الفرقة أكثر من مرّة أن تقيم حفلاتها في مقرّ الجماعة مستخدمة الدفوف، إلا أنّها تجد معارضة قوية من قياديي الجماعة، ومن ((رجال الدين)) بها، لاعتقاد بعضهم بعدم جواز استخدام الدفوف، ولاعتقاد البعض الآخر بأنّ استخدام الأعضاء للدفوف يؤثر على الصورة المضيئة المرتسمة عن الجماعة. وبذلك لم تتطوّر هذه الفرقة، ولم تجد الإقبال عليها سنوات طويلة.

أما النساء عضوات الجماعة، فإنّ تأثير تخلف الفكري الديني للجماعة واضح بشدة عليهنّ، ورغم أنّ أكثر العضوات من الجامعيات الدارسات في تخصصات شتى، فإنّ موضوع التنمص تفرد له الكثير من المساحة في أحاديثهنّ ودروسهنّ وتوجيهاتهنّ، وما زلن يردّدن أنّ المرأة التي تحفّ شعر حواجبها تحقّ عليها اللعنة.

وما زالت عضوات الجماعة بعيدات عن ميدان الأناشيد مثلاً، بحجّة أنّ صوت المرأة عورة، وبعيدات عن التمثيل على المسرح، بحجّة عدم جواز اختلاطها بالرجال، بل إنّ المرأة لا يمكن لها وهي تؤدي التمثيل في مسارح النساء أن تضع على رأسها ((باروكة)) بحجة أنّ لعنة الله تحيق بالواصلة والمستوصلة.

وإلى الآن طبعاً، ليس هناك اتصال مباشر بين الأعضاء والعضوات، فمجلس إدارة هذه الجماعة ما زال خلواً من أي امرأة، رغم أنّ ثلثي أعضاء الجماعة الملتزمين بدفع الاشتراكات هم من النساء، وكلّ ذلك درءاً للاختلاط، كما أنّ الأعضاء والعضوات لا يلتقون في الملتقيات ولا يجلسن جنباً إلى جنب في الدورات التدريبية أو ورش العمل، رغم أنّ عدداً لا بأس به من العضوات يقمن بذلك في أماكن عملهنّ ولا يجدن حرجاً فيه.

والغريب في الأمر أنّ هذه الجماعة هي امتداد لحركات التجديد الديني الذي بدأها جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده ورشيد رضا، ووجدت امتدادها في الغزالي والقرضاوي، وبدلاً من أن تبدأ الجماعة مما انتهى إليه هؤلاء، وتفتح آفاق التجديد والانطلاق والتحرّر، نجدها تعود إلى المربّع الأول، بل إنها تتجه إلى نقل سكّة الحركة إلى سكة الفكر السلفي.

إنّ حركة التجديد الديني يجب أن تنطلق إلى الأمام، وألا تلتفت إلى الخلف، وإذا كانت الجماعة تحمل مسؤولية نهضة المجتمع ووضعه على سكّة التقدّم، فينبغي لها أن تتخلّص من غربتها وأن تنفتح على الآخر، وأن تستفيد من كلّ الأفكار.

بوابتي إلى العالم

وبعد سنوات من اغترابي في المدرسة والجامعة، انفتحت لي كوّة نحو العالم، فبعد أن تخرّجت في جامعة البحرين بتخصص اللغة العربية، ولم تجد لي وزارة التربية والتعليم وظيفة تعليمية عندها، وجدت نفسي مضطراً للعمل في إحدى الجرائد صحافياً في الأخبار المحلّية.

كان اسم الصحيفة التي التحقت بها كافياً لإزعاج ((مجتمع الجماعة))، أليست تلك الجريدة تضمّ بين جنباتها الصحافي ((الشيوعي)) ويكتب فيها ((العلماني)) أليس تلك الجريدة التي تدافع عن السياحة في البحرين وتهاجم كلّ دعوة دينية لإقفال الخمّارات في البلاد؟

دخلتُ الصحيفة بلحية مبعثرة على الخدّين الطريين، وبثوب ليس طويلاً، وبمصحف في الجيب أُخرجه في أوقات الفراغ للقراءة، وقبل أن أستلم العمل، وجدت نفسي محاطاً بأربع بنات، دفعهنّ الفضول لمعرفة القادم الجديد لقاعة التحرير (ولقد اكتشفت مؤخراً أنّ هذا دأبهنّ مع كلّ قادم جديد)، ولم أجد مناصاً من أن أجيب على كلّ أسئلتهنّ وتحمّل تضاحكهنّ وتمازحهنّ.

وكانت أول مهمة أسندت لي هي تغطية افتتاح المعرض السوري في مركز أرض المعارض، وكنت مجبراً على مزاحمة الصحافيات وإجراء مقابلات مع المسؤولات والبائعات وزائرات المعرض، ولقد تحدّثت مع البنات في تلك المهمّة أكثر مما تحدثت مع بنات طيلة حياتي، ورجعت إلى الجريدة منهكاً من الحرّ والزحمة ومن هذا المجتمع الذي ينبغي أن أتعوّد عليه.

أخذت أوراقي وهربت من قاعة التحرير إلى غرفة الأرشيف حيث يعمل ابن خالتي، أريد أن أجلس إلى جانب رجل يا جماعة! وجلست على مكتب صغير، ووضعت أوراقي وشرعت أكتب الخبر المطوّل.

وفي هذه الأثناء دخلت عليّ ثلاث بنات متدربات من جريدة أخرى (وهي الجريدة الإنجليزية التي تصدرها نفس المؤسسة، ويظهر أنهنّ من خريجات المدارس الخاصة، ولفتُّ انتباههنّ بمظهري الإسلامي وبحيائي الواضح، فأرادت إحداهنّ الاستظراف ربما، واقتربت منّي وجلست على الطاولة التي أكتب عليها، وعلى الأوراق مباشرة، ولم يكن بين يدي وظهرها سوى عشرة سنتيمترات، وصرت لا أرى من الحجرة إلا ظهرها، ولم تُبالِ بعتاب زميلتيها من هذا السلوك، وجلست قرابة العشرين دقيقة، كانت كافية لأن تعلن لي أنني دخلت العالم الحقيقي. وها أنذا قد دخلت العالم بفضل عجيزة امرأة!

أنقذني صوت الأذان، أريد أن أذهب إلى المسجد لكي أعود إلى مجتمعي، لا توجد في المسجد - لحسن الحظّ - نساء، هرعت إلى المسجد، وتلفتّ فلم أجد إلا القليل من زملائي فيه، ولم أتعجّب، فما سمعته قبل الالتحاق بالجريدة يكفي لعدم اندهاشي حتى لو وجدتهم يسجدون للأصنام بمكاتبهم.

كان الخبر الذي كتبته عن المعرض السوري بوابة العبور للصحافة، فرئيس القسم أعجبته كتابتي، وأسند لي مهمات أخرى، وكان الأمر شديد الغرابة بالنسبة لي، فلقد كنت أحمل تصوّراً - كغيري من أعضاء الجماعة - بأنّ الجريدة تتعمّد التضييق على الملتزمين وأعضاء الجماعات الإسلامية.

وفي أحد الأيام دعاني رئيس القسم، وأخبرني بأنّ رئيس التحرير قد أسند لي مهمة كتابة تقرير مطوّل حول المؤتمر العالمي للخيول العربية، وأنّ المؤتمر سيبدأ بعرض للخيول في قصر الصافرية، بحضور ولي العهد (كان حينها جلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة هو ولي العهد)، وأبلغني أن أصطحب في سيارتي صحافية من الجريدة الزميلة (هذه الجريدة مرّة ثانية)، ولما رأيتها، وكانت عليها علامات الرضا لهذه الصحبة، أحسست باستحالة إتمام المهمة، فقد كانت شابّة وجميلة ومثيرة ومتحرّرة في ملابسها، وكنت أشعر أنها متشّربة بالثقافة الأجنبية إلى حدّ قبولها الذهاب معي حتى على دراجة نارية، فاختلقت عذراً ومضيت إلى المهمة لوحدي، وفي قصر الصافرية جلست الصحافية إلى جانبي لا يفصل بيني وبينها سوى مسافة إصبعين (من أصابعها طبعاً) ولم يكن بمقدوري أن أبتعد عنها لأنّ مكان الجلوس كان محدوداً، وكانت فتحة قميصها تكفي لإدخال جمل، وفي وضعي هذا أحسست بإحساس الواقع في الإثم، وتساءلت في نفسي: كيف كان سيكون حالي لو كانت هذه الحسناء المثيرة معي في السيارة، هل كنت سأتذكر الطريق؟!

في رمضان أسند لي رئيس القسم مهمة زيارة المجالس الرمضانية بالليل، فزرت مجلس علي راشد الأمين ومجلس علي المسلم ومجلس علي بن حجي ومجلس بوحجي، والتقيت مع صنوف من الناس، وبدأت أرى مجتمعاً أكبر من المجتمع الذي كنت أعيش فيه، ولم يبدُ هذا المجتمع خطيراً كما تمّ تصويره لي في جماعتي، فالأخرون أيضاً يحملون بين أضلعهم قلوباً طاهرة، وابتسامات صادقة، وساندوني في الكثير من المواقف، وكانوا يدعونني بإلحاح لزيارتهم في بيوتهم وبحضور مناسباتهم الخاصة، وكنت ألقى ترحيباً كبيراً حينما أزورهم، ولم تكن لحيتي المبعثرة حاجزاً بينهم وبيني.

ومع عيون زرقاء - كما أسلفت - كان لقائي مع الجنس الآخر، إنّ الإعجاب بالمرأة يستطيع أن يطوي للرجل المسافات، فلقد استطعت من خلال هذه المرأة أن أتخطى حاجز التديّن، وأن أخترق قوانين ((مجتمع الجماعة))، وأن أدخل إلى عالم الظهر والجمال والرقة، ولقد وجدت نفسي أتعلّم من تلك العينين ما لم تستطع الأشرطة الدينية الكثيرة التي سمعتها أن تعلمني.

لقد علمتني تلك الأشرطة كيف أحذر الموت وعذاب جهنّم، أما تلك العينان فعلمتاني كيف أستقبل الحياة وكيف أتمتع بجمالها. فشتان ما بين الاثنين.

تمكنت تلك العينان الزرقاوان من أن أستدرك ما فاتني من معارف عن المرأة، عرفت كيف تتكلّم، وكيف تحسّ، وكيف تقسو، وكيف تعتب، وكيف تعود من زعلها، وشرعت لي أبواباً كثيرة لم يكن بمقدوري أن أشرعها لو لم ألتقِ بتلك العينين.

لم أعد أذكر تلك القصص التي تتحدّث عن الرجال يصيبهم الحادث في الشارع، وبدل أن ينطقوا بالشهادتين يردّدون : ((قلبي معك يا مشغل البال ملتاع))، فمن خلال تلك العينين تفتحت لي شرفة فيروز، واكتشفت كاظم الساهر، وتدفقت بي جداول ماجدة الرومي، وتعرّفت على جوليا بطرس، واستهديت إلى عيون عبد الحليم الجريئة.

أصبحت مغرماً بأشعار نزار قباني، فاقتنيت جميع دواوينه، ودخلت في عوالم خالد الشيخ، ولأوّل مرة صرت أكتب شعر الغزل. لم أقضِ في الجريدة سوى عام واحد، ولكنه كافياً ليعرّفني إلى العالم، فلم تكن الجريدة مجرّد جريدة، إنها بوابتي إلى العالم.

انقضاء عزلتي عن الزمان والمكان

قبل أن أعمل في الصحافة، كنت أحمل تصوّراً مخيفاً عن عدد من الصحافيين والكتاب بالجريدة، وعلى رأسهم الصحافي المخضرم محمد فاضل. سمعت عنه من جماعتي كثيراً من الأوصاف المتناقضة أحياناً، مرّة وصفوه بالشيوعي، ومرة أخرى بالعلماني، ومرّة أخبروني بأن آراءه بها شيء من الإلحاد. ولقد كنت أضع رهبتي من جوّ الجريدة في كفّة، ورهبتي من محمد فاضل في كفّة أخرى، ولقد كانت كفّة محمد فاضل ترجح في كثير من الأحيان.

التقيته يوم رجعت من مهمتي في تغطية مؤتمر الخيول، ولقد كانت مصيبة تجرّ مصيبة، فبعد انتهائي من مصيبة الصحافية الشابّة الحسناء، رجعت إلى الجريدة لأجد محمد فاضل في انتظاري، ليرى الخبر الذي كتبته. يا الله.. لأوّل مرّة أرى ملحداً ماثلاً أمامي. إنّ كلامه يشبه كلامنا، ولهجته الحالاوية (نسبة إلى منطقة الحالة بالمحرّق) مألوفة بالنسبة لي، وكان وقاره ممتزجاً بخفّة دم وتعليقات ساخرة وذكية، فزالت رهبتي من محمد فاضل، وحلّ محلّه الإعجاب.

مرّة من المرّات صادفني في ممر الجريدة، ووقف بجانبي، متصنّعاً الجدّية التي صرت لاحقاً أعرف أنها بداية مزحة، وقال وهو يشير إلى ثوبي غير الطويل: ((فواز.. الجلباب قصير قليلاً)).

ورغم أنّ ثوبي لم يكن قصيراً ولكن لم يكن بطول الثياب التي يلبسها البحرينيون. ولقد لفت انتباهي استخدامه لكلمة ((جلباب))، وكانت مؤثرة بي ومثيرة لتساؤلات كثيرة خطرت ببالي. فلقد اعتدت من محمد فاضل أن يستخدم كلمات قليلة ولكنها مركّزة، إنه لم يقصد الثوب فحسب، بل كان يقصد حالة الاغتراب التي أعيشها عن زمني وعن مجتمعي، وهي التي جعلتني أُلزم الخياط بتقصير الثوب قليلاً. لقد كان يكلّمني بلغة الزمن الذي وقفت ساعتي عنده، بلغة العصر الذي مضى عليه قرون طوال، وما زلنا متمسكين حتى بطول ثياب أصحابه.

سمعت تعليقات كثيرة حول طول ثوبي، وكانت تلك التعليقات تزيدني إصراراً على التمسك بهذا الطول، لاعتقادي بأنّ ما أسفل الكعبين في النار، ولكن لا أدري لماذا كلمة الجلباب التي استخدمها محمد فاضل دفعتني لأن أطيل ثوبي، وأن أتخلص من تلك الجلابيب القصيرة التي كنت ألبسها.

بعد ذلك التقيته مرّة أخرى في مكتبه، وكانت الجريدة قد نشرت لي تقريراً حول مخيمات الجماعات الدينية في البحرين، وقد رفعت من شأن مخيّم جماعتي كثيراً، وانتقدت بشدّة مخيمات جماعة السلفيين التي كانت ترتّب للمشاركين فيها دورات في التوحيد والفقه وشروح الأحاديث، فأثنى على أسلوبي في الكتابة، لكنّه قال لي بكلمة مختصرة وموجزة: ((إذا أردت أن تكون صحافياً لا بدّ أن تتخلّى عن أي انتماء قبل أن تكتب)).

كانت كلمات قليلة مثلما هي عادة محمد فاضل، ولكنها كانت كلمات مؤثرة فعلاً التزمت بها (حسب ما أعتقد) في جميع كتاباتي الصحافية ودعوت زملائي الصحافيين إلى الالتزام بها، وتعجبت كثيراً من قيام هذا ((الملحد الشيوعي العلماني)) بالدفاع عن جماعة سلفية، ولقد عرفت الإجابة بعد سنوات قضيتها في الصحافة.. إنها المهنيّة.

من محمد فاضل، بدأت أتعامل مع الآخرين وأقيّمهم لا بحسب علاقتهم بربّهم، فتلك العلاقة لا شأن لي بها، ولكني كنت أتعامل معهم وأقيّمهم بحسب علاقتهم بي وبحسب علاقتهم بالمؤسسة التي يعملون بها، منتزعاً أيّ تصوّر سابق عنهم، وأيّ أحكام مسبقة صدرت عليهم من أي جماعة أو أيّ شخص. وذلك ما دعاني لاحقاً إلى البدء في قراءة كتب نصر حامد أبوزيد والصادق النيهوم وعبد الله القصيمي وصادق جلال العظم وعلي الوردي وغيرهم. فكلّ هؤلاء نالوا من الناس ما نالوه من أوصاف الكفر والزندقة والارتداد، ولكني قرأت كتبهم ولم أصدر أحكاماً عليهم بل خلصت بانطباعات عما كتبوا. وذلك هو الفرق.

بعد عام على عملي في الأخبار المحلية، اضطررت إلى ترك الصحافة، بعد حصولي على وظيفة حكومية، مدرّساً للغة العربية بمدرسة الهداية الخليفية للبنين، ولقد وجدت صعوبة بالغة في قبول الأمر، فقد أحببت الصحافة، وأحببت العالم الذي صرت أتعرّف عليه من خلالها، ولقد خفت أن أذهب إلى التدريس فيغيب عنّي ذلك العالم.

وبعد انتظامي في المدرسة، أحسست بانقباض وأنا أجلس في غرفة المدرّسين، لم تكن في الغرفة تلك البنت صاحبة العينين الزرقاوين، ولم يكن هناك ذلك الصحافي الذي لا يطفئ السجارة إلا بعد أن يشعل الأخرى.

رجعت إلى المجتمع الذي خرجت منه، فقد كان جميع المعلمين من المحافظين، أحدهم يقرأ القرآن بعد كلّ حصة، والثاني يحتضن سجادة الصلاة خشية أن تفرّ، ورغم أنها كانت غرفة لمدرسي اللغة العربية ولكن الأحاديث التي كانت تدور في الغرفة كان أغلبها عن الدين والمعجزات وانتشار المعاصي والاستعداد للآخرة.

ووجدت الفرج في صوت الأستاذ مدير تحرير الجريدة، وهو يدعوني أن أمرّ عليه مساء، وذهبت إليه باكراً، فذكر لي أنّ الجريدة لا تريد أن تخسر قلمي، وعرض عليّ أن أكون مشرفاً على الصفحة الإسلامية الأسبوعية بالجريدة، وأن ألتزم بكتابة عمود في الصفحة، بالإضافة إلى تحرير موضوعات الصفحتين بالكامل.

وسألني سؤالاً غريباً: ((هل لديك ميول دينية؟))، وكأنما الدين أصبح هواية أو موهبة، ولكن هذا السؤال لم يعد غريباً عندي بعد ذلك، إذ اكتشفت أنّ الدين أصبح هواية عند البعض وأنه أصبح موهبة عند البعض الآخر!

سألته أن يعطيني يومين لأفكر في الموضوع، فباستغنائي عن جلبابي غير الطويل، وارتباطي بالعالم الذي تعرفت عليه في الصحافة، كنت راغباً في أن أبتعد عن هذا الجوّ، وأن أظلّ أحتكّ بـ((الكائنات الجديدة)) التي تعرّفت عليها مؤخراً، وأن أكتشف المزيد عن ((العالم الجديد)). ولكني في الوقت نفسه كنت محتاجاً إلى رابطة تربطني بهذا العالم، وبالجريدة التي أحببتها، فأعلنت موافقتي ورغبتي في أن أخوض التجربة الجديدة مشرفاً للصفحة الإسلامية.

تجربتي في الصفحة الإسلامية

في الصفحة الإسلامية بجريدة الأيام وجدت فضاءً ممتدّاً أمامي. صفحتان كاملتان ينبغي أن أضع حدودهما وأكوّن تقسيماتهما وأخلق اتجاهاتهما. صفحتان كاملتان ينبغي أن أديرهما وأنا خارج الجريدة، وأن أكون في سباق مع الزمن لكي أنجزهما وأسلمهما. شعرت بمسؤولية كبيرة، خصوصاً أنّ مهمّة إدارة الصفحة أُسندت لي في العام 1999م، أي عندما لم يكن في البحرين سوى جريدتين، وسوى صفحتين إسلاميتين، ولم يكن إسناد صفحة متخصصة إلى شابّ في الثالثة والعشرين في ذاك الوقت أمراً هيّناً.

نقلتُ خبر إشرافي على الصفحة الإسلامية إلى جماعتي، وقد رحّبت الجماعة بهذا الفتح المبين، واعتبرت إشرافي على الصفحة مدخلاً لنشر أخبار فعاليات الجماعة وبرامجها وتخصيص أعمدة ثابتة لأعضائها ومناصرتها في أيّ حملة يشنّها عليها أعداؤها وأعداء الإسلام في الجريدة.

وبدأت العمل في الصفحة. شرعت أقيم اتصالاتي بالجمعيات الدينية وبمراكز تحفيظ القرآن وبالمؤسسات الخيرية، وحاولت قدر الإمكان أن أكثّف من التحقيقات الصحافية واستطلاعات الرأي، وفضّلت أن تكون الصفحة ذات صبغة محلية. ورأت صفحتي الإسلامية النور في أكتوبر 1999م، وعلى جانب الصفحتين عمودي الذي أسميته ((تراتيل)).

استقبلت جماعتي الصفحة الوليدة بترحاب، كما استقبلتها الجماعات الأخرى. ولقد كانت الصفحات الأولى صفحات إثبات وجود وجسّ نبض، وقد بدا لهذه الجماعات أنها ستكون صفحة مستأنسة مثل الصفحات الإسلامية الموجودة في الصحف الخليجية والعربية، ولكن بسبب تحوّلي الفكريّ، وبسبب ابتعادي شيئاً فشيئاً عن المجتمع المغلق الذي كنت أقبع فيه، وبسبب حالة الشكّ التي جعلتني أُخضع جميع مسلّماتي للتمحيص والتدقيق والتأكد، وبسبب قراءاتي الجديدة في كتب ((الزنادقة والملحدين))، تحوّلت الصفحة الإسلامية من صفحة مستأنسة إلى صفحة متوحّشة شرسة، صفحة كسر التابوّات واختراق والمحرّمات.

لم يكن قصدي أن أثير أيّ جماعة، أو أنتقم من أيّ اتجاه، فقد كنت فقط صحافياً يبحث عن الجديد، ويتطرّق إلى الموضوعات غير المتوقعة، ويجازف من أجل الوصول إلى النقاط محلّ النزاع. فلقد كنت مؤمناً أنّ الصحافي الذي يتطرّق في أخباره وتحقيقاته ومقالاته إلى ما يعرفه الناس وما يحفظونه عن ظهر قلب، وإيثار السلامة وتجنّب الأذى ليس صحافياً وإنما موظف متزلّف، وقد كنت أرفض أن أصبح هذا الموظف.

تساءلت في أحد التحقيقات الصحافية في الصفحة حول مدى إمكانية استخدام تكنولوجيا المعلومات ووسائل العرض الحديثة في خطب الجمعة، فاعتبرني الإسلاميون مجنوناً. وتوصّلت في أحد تحليلاتي إلى سقوط الحاجز الذي كان يفصل بين الأناشيد الإسلامية والموسيقى بعد أن كان سماع الموسيقى لدى الجماعات الإسلامية من الكبائر، فاعتبرني الإسلاميون مثير فتنة.

وأجريت مقابلة مع رئيسة مركز الحوار الإسلامي في باريس ولم تكن محجبة، فاستنكر الناس نشر صورة امرأة غير محجبة في الصفحة الدينية. وعرضت في الصفحة نتائج عدم دخول الإسلاميين ميدان السينما فاعتبرني الإسلاميون داعياً إلى الضلالة والفسوق.

وبرغم جرأة الموضوعات التي طرحتها في الصفحة، إلا أنّني اكتشفت أنّ الإسلاميين بكافّة توجهاتهم وقناعاتهم لا يثير حفيظتهم موضوع مثلما يثيرهم موضوع المرأة. فما تحدّثت يوماً عن المرأة إلا وجرّ الموضوع سيلاً جارفاً من الردود المتراوحة بين العنيفة والقاصمة والجارحة.

ذات مرّة كتبت عن فتاوى المرأة، وبعد استعراض بعد التناقضات في الفتاوى الصادرة بشأنها أكّدت على ضرورة إجراء مراجعة لهذه الفتاوى لإزالة اللبس عن الناس، وذكرت أنه من غير المعقول أن تظلّ الفتوى القائلة بأنّ المرأة التي تخرّج متعطّرة زانية، فبهذه الفتوى فإنّنا يمكن أن نزعم بأنّ ثلثي نساء البحرين عاهرات!

جلست صباح الجمعة على صوت الهاتف الذي لم يكفّ عن الرنين منذ الساعة السابعة صباحاً، وجدت في الهاتف أكثر من خمسة عشر مكالمة فائتة، فحسبت أن مصيبة قد وقعت. ورددت على مكالمة من المكالمات فجاءني حديث من رجل كأنه موتور، أو كأنني اقتحمت غرفة نومه، وقال لي بدون مقدّمات: ((أنت تتحدّى الله ورسوله، وتضع نفسك ندّاً لهما، ماذا تريد لنسائنا وبناتنا؟ أتريد لهم التفسخ وسلوك طريق الضالات المضلات؟!)).

واستمرّت الردود على مقالي هذا قرابة الشهر والنصف، حتى أغلقت إدارة التحرير الموضوع، ولم تنشر أيّ ردّ متعلّق بهذا الموضوع.

ولم تكد تهدأ نار ذلك المقال، حتى كتبت تحليلاً حول الاختلاط في الإسلام، ذكرت فيه ما تذكره كتب الإسلاميين من أنّ الاختلاط بين الرجال والنساء كان موجوداً في صدر الإسلام، وأن الإسلام لم يمنعه، وتساءلت عن سبب محاربة الإسلاميين اليوم لموضوع الاختلاط، فقامت الدنيا ولم تقعد، وانهالت الاتصالات عليّ مرّة أخرى، وضاقت الصفحة بالردود، واستمرت عملية نشر الردود أكثر من شهرين، إلى أن تدخّلت إدارة التحرير مرّة أخرى ورجتني ألا أنشر أيّ ردّ جديد على الموضوع.

ومن خلال هذين الموضوعين بدأت علاقتي الجديدة بجماعة أخرى، هي جماعة السلفيين، وسأضطر لأسميها جماعة اختصاراً، لأنها ليست جماعة واحدة بل جماعات. لقد بدأت علاقتي بهذه الجماعة بشكل يختلف عن بداية علاقتي بالجماعات الأخرى، فقد بدأت علاقتي بالجماعتين السابقتين بشكل ودّي حميم، أما علاقتي بجماعة السلفيين فقد بدأت بغير ودّ، وقد اعتبرتني هذه الجماعة مدفوعاً من جماعتي السابقة للنيل منها، ولكن سرعان ما تنازلت جماعة السلفيين عن هذا التصوّر بعد أن لمسوا ردّة فعل جماعتي السابقة. ولقد اضطررت لتأجيل طرح موضوع المرأة في الصفحة الدينية لكي لا يحسب القرّاء أني طالب شهرة. والغريب في الأمر أني تطرّقت إلى موضوعات أشدّ سخونة، ولم تأتني ردّة الفعل تلك، فقد تطرّقت عدّة مرّات إلى موضوع الردّة عن الإسلام، وذكرت في خلاصة الموضوع أنّ قتل المرتدّ جريمة وليس تطبيقاً لشرع الله، ولكن لم تأتني ردّة فعل شديدة على الموضوع رغم حساسيته، خصوصاً أنّ الإسلاميين يعتبرون موضوع الردّة من أحكام الإسلام الثابتة ومن المعلوم من الدين بالضرورة. فسبحان مغيّر الأحوال!

الخلط بين الدين والفكر

لما رأت جماعة السلفيين في البحرين تمادي مشرف الصفحة الإسلامية في ((الضلال))، ونشر الأفكار ((الهدّامة))، و((التشويش)) على خلق الله، اتصل بي أحد كبار قيادييهم، وبعد التحية المقتضبة، قال لي: ((لقد اتصلت بك لكي أقول لك اتق الله، والله إني أخشى عليك من عاقبة ما تكتبه)).

فرددت عليه بأنّ ما كتبته لا يعدو أن يكون رأياً شخصياً بنيته على جملة من الأمور من بينها آراء كتّاب إسلاميين ومفكرين، فردّ علي قائلاً: ((إن الأمور التي تناقشها ليست محلّ نقاش، وإنما هي أوامر ونواهٍ ربّانية ليس للبشر أن يتدخّلوا بها)). وختم النقاش مكرّراً: ((اتق الله))!

على هذا المنوال كانت تأتيني الاتصالات والردود، فالمتصلون لا يناقشون لبّ الموضوع، بل إنّهم يؤكدون دائماً أنّ ما أط