1-
الموضوع الذي يقترحه العنوان الرئيس لهذه المحاضرة قد يبدو بدهيا حد أنه لا يحتاج إلى طرح وحوار . لكن إضافة الوصف المناسب للدولة في تاريخنا وواقعنا يضعنا أمام قضايا مشكلة لم يحسم الجدل فيها بعد، ولا نظنه سيحسم في يوم قريب . فالدولة في هذا السياق ظلت بنية استبدادية صلبة تتكرر مرة في شكل امبراطورية ممتدة في أكثر من قارة، ومرة في شكل حيازات إقطاعية صغيرة الحجم قليلة السكان.
ودولة كهذه، وسواء كانت مشروعيتها دينية أم دنيوية، لا يمكن أن تمارس السلطة كفن أو علم هدفه إدارة علاقات البشر بما يضمن تنمية طاقاتهم وتحقيق مصالحهم وصيانة حقوقهم .. إلا في أضيق الحدود . ما تمارسه عمليا كل يوم هو "التسلط" الذي يتجلى في شكل سلسلة من أفعال العنف المباشر أو المراوغ غايتها تمكين أقلية متنفذة من الاستحواذ على المزيد من السلطات والثروات باستمرار، وهذا ما يفضي بالضرورة إلى تشويه علاقات المجتمع وإفقار الأغلبية من أفراده وتكريس شقائهم رمزيا وماديا.
ولعل نفور الوعي الجماعي العام من كل دولة يعود في جزء أساسي منه إلى ما استقر في الذهنية العربية الشعبية والخاصة من صور سلبية عن هذه الدولة التي قد توفر لرعاياها بعض الحماية وبعض الخدمات لكنها تستلب أغلى ما يملك الإنسان، ونعني حريته وكرامته.
وأطروحة برهان غليون عن الدولة التي تعمل ضد المجتمع وجيهة تماما في هذا السياق، ولعلها لا أكثر من تنمية حديثة لأطروحات قديمة كلها يؤكد أن الاستبداد ظلم وفساد لا ينتج عنه حكم صالح أبدا.
هنا تحديدا نزعم أنه لم يعد يكفي أن تناقش القضية بعد اختزالها في المظهر السياسي وربطها بشخص الحاكم أو بإدلوجة الحزب أو بشكل هذه الدولة أو تلك . إنها الجزء الظاهر من إشكالية كبرى لن نفهمها جديا من دون تحليلها في المستوى الأكثر عمقا واتساعا , ونعني في مستوى الثقافة التي تنتج مجمل مؤسسات المجتمع وتضفي الشرعية على مختلف أشكال السلط التي تمارس يوميا فيه. هذا البعد هو ما سنركز عليه في هذه المقاربة. وسنركز عليه لا لأنه جزء من الدراسات الثقافية التي انفتح عليها النقد الأدبي الحديث فحسب، بل لأنه يمكن الباحث من توسيع أفق الفكر وتنويع أدوات المقاربة لقضايا بينية مركبة قد لا يناسبها المنظور الواحد أصلا.
2-
قبل الدخول في الموضوع لا بد من التنبيه إلى مسألتين مهمتين نظريا ومنهاجيا فيما نحسب. المسألة الأولى أن المثقف العربي اليوم لا يستطيع أن يدعي أنه يتفكر ويتخيل ويتحدث ويكتب بحرية , وإن ادعى ذلك فهو واهم أو خائف لا غير. فهناك عوائق كثيرة تحد من أفق القول والتصرف أمام الجميع.
ولكي نتبينها في المستوى الأكثر عمومية يكفي أن ندرك أن أحدا منهم لا يستطيع أن يقول في مجال عام إنه يحترم تراث الأسلاف ويعده مكونا أساسيا في هويتنا الحضارية لكنه لم يعد صالحا كمرجعية للفكر والعمل في العصر الراهن .
ومن يتجرأ على قول كهذا ولو بصيغة مخففة تتناوشه السهام من كل الجهات حتى يتراجع، وإن لم يتراجع يهمش وتحاصر كتاباته التي تصنف في حيز الفكر الشاذ المعادي للدين ولمصالح الوطن والأمة . هذه المعضلة التي يعانيها المثقف العربي، المسلم وغيره، لم تعد مطروحة أمام المثقف الهندي أو الصيني أو الياباني .. وقد تبدو مفارقة عجيبة غريبة بالنسبة للمثقف في المجتمعات الغربية حيث يكاد كل جيل يباهي بالقطيعة مع ثقافة الجيل السابق!.
المسألة الثانية أن بسيط المعارف الفكرية والعلمية الحديثة التي عادة ما يتمثلها مثقفونا خلال مسيرة تعليمية طويلة شاقة لا تؤثر كثيرا في مجتمعاتهم . فغالبية الناس تبدو محصنة بثقافة بسيطة مقولبة تقاوم التغيير، بل وتغري كثيرين بالدعوة إلى مزيد من أشكال العودة إلى ماض مجيد مليء بالحكايات العظيمة والرموز العليا التي لا يمكن لأحد بلوغ منزلتها (وهذا أثر ماكر لعبادة الأسلاف العتيقة). لا غرابة بعد هذا أن تنحصر تأثيرات الخطابات الحديثة في دوائر ضيقة عادة ما تمثلها نخب جديدة قليلة العدد، ونادرا ما يضيف أحد أفرادها شيئا مختلفا إلى غيره نظرا لتشاكل الوعي و تكرارية الخطابات.
والبدء بهاتين المسألتين ليست محاولة مبكرة لتبرئة ذمة المثقف أو تبرير عجزه عن التفاعل والفعل. إنه مسلك معرفي يحرر الذات الباحثة من أوهامها بقدر ما يخفف على النخب في عمومها وطأة الوعي المحاصر الذي قد ينقلب إلى حالة مرضية تدفع بنا إلى تبادل الاتهامات بالمسؤولية عما حدث ويحدث من مآسي.
فالمثقف الذي نتحدث عنه هنا ليس ذلك الفارس البطل الذي يحارب الأعداء ولا يهزم، ولا ذلك العالم الذي يعرف كل شيء ويثق في قدرة الكلام على هداية الناس وإصلاح معاشهم ومعادهم. إنه شخص عادي يتخصص في مجال معين، وحين يجتهد مع غيره في قضايا الشأن العام يكفي أن ينتج بعض الأفكار والمعارف بأقصى قدر ممكن من التعقل والنزاهة عسى أن يعمل آخرون على الإفادة منها عمليا، وهكذا يمكنه أن يشارك في تغيير الواقع نحو الأفضل.
من هذا المنظور النقدي، وهو كانطي في جوهرة كما يلاحظ، سنقارب القضية الآنف ذكرها ولو بأمل تنمية لغة الحوار في مجتمعات عودتها نخبها، المسيطرة والمحاصرة، على السجالات الحادة حتى لكأن مفردات اللغة أسلحة والناس كلهم خصوم وأعداء!.
3-
لكي نحدد إطار القضية ومسار المقاربة بشكل واضح ومقنع سنبدأ من المستوى العام للثقافة. فنحن ممن يزعم أن الثقافة العربية السائدة لا تزال تقليدية في مجملها. وتقليديتها تعني أنها تنطوي على منظومات أفكار وقيم ومعايير أنتجت في عصور سابقة بعضها يمكن تحديده في لحظة تاريخية معينة وأكثرها قديم موغل في مجهولات الزمن.
وحينما نقول إن تصوراتنا للكون، وأفكارنا عن ذواتنا وعن العالم من حولنا، ومعايير حكمنا على الظواهر والأحداث ليست مؤسسة على منطق العصر ومنجزاته الفكرية والمعرفية، إلا فيما ندر، نروم الوصف لا إطلاق الحكم.
ولمزيد من الاحتياط نضيف في الحال إن هذه الوضعية التي يلاحظها المفكر والمؤرخ والاجتماعي والأنتربولوجي .. ليست مشكلة في حد ذاتها لأن الثقافات التقليدية تظل حية فاعلة في كل المجتمعات البشرية وإن بصيغ ودرجات مختلفة. المشكلة تبرز جلية عندما تعتقد النخب الفاعلة أن ثقافة الماضي يجب أن تظل سلطة مرجعية تتحكم في كل علاقات التفاعل فيما بين الأفراد والمؤسسات، ومن ثمة تستعمل كل التقنيات الحديثة لتكريس حضورها في مختلف مجالات التواصل والتبادل الاجتماعي. ففي هذه الحال يتحول التراث إلى مصدر لا ينضب لأيديولوجيات مثالية مبسطة يراد لها أن تشتغل في شروط تاريخية جديدة لم يعرفها الأسلاف ولم يشارك الأحفاد في إنجازها.
والنتيجة المتوقعة أن تصورات كهذه لا بد أن تعيق سيرورة التقدم، والأسوأ من ذلك أنها تظل تنشر وعيا خاطئا أو مزيفا أو مغالطا يزيد الأمور تعقيدا والتباسا.
فالإنسان الذي يعاني ولا يدرك أن ثقافته اليومية هي من أقوى أسباب شقائه وضعفه وتخلفه سيتوهم ويصدق أنه ضحية بريئة لقدر تراجيدي أو لعدو شيطاني يتربص به وبأمثاله كل لحظة في كل مكان. لا غرابة بعدئذ أن يتورط الفرد والمجتمع، والدولة ذاتها، في المأزق تلو الآخر وكأن الجميع ألفوا شقاء لا أمل في الخلاص منه إلا بمعجزة ما.
يصف المفكر عبد الله العروي هذه الوضعية الصعبة فيكتب: "نواجه داخل الأسرة مشكلة تحديد النسل وتعدد الزوجات وقصور المرأة، في مجال الاقتصاد ضعف الانتاج وشح الاستثمار والخوف من البضاعة بتذخير المسكوك والتهافت على العقار، في مجال الدفاع الارتجال وضعف التأهيل وانعدام الرؤية السطرجية، في مجال السياسة العجز عن تأمين صدق الانتخاب ورعاية المصالح.. لا تعقل ولا ترشيد في أي من هذه المستويات .. ".
والسبب عنده واحد في العمق وإن تعدد في الظاهر: "عدم الحسم في أي من المشكلات المطروحة، لأن الحسم يتطلب الاعتياد والتمرن على منطق الفعل في حين أننا نطبق على الفعل منطق الإسم لأننا نؤمن ونقول منذ قرون إن الموروث من ثقافتنا مبني على العقل إطلاقا. (مفهوم العقل، ص 364).
ولن نستطرد في سرد الشواهد، ومن يبحث عن مزيد منها يكفيه أن يقرأ "الشيخ والمريد" لعبدالله حموده أو"العرب: وجهة نظر يابانية" لنبوآكي نوتوهارا.
أما من لا يصبر على قراءة الكتب الجادة فما عليه سوى متابعة أخبارنا في وسائل الإعلام المتنوعة على مدى يوم واحد وسيرى كم هي كثيرة أزماتنا ومحيرة مواقفنا تجاه صغيرها وكبيرها.
نعم، نحن نعيش ما يمكن أن يعد حالة "احتباس حضاري"، وليس من مصلحة أحد أن تظل أمة كبيرة العدد غنية بالطاقات تراوح في وضعية التخلف التي توشك أن تقذف بالجميع خارج التاريخ الكوني الراهن. وفي كل الأحوال نفضل من جهتنا أن نجتهد للكشف عن الجذر العميق لثقافة الاستبداد والتسلط هذه، وسنتبينه وهو يشتغل في ثلاث بنى اجتماعية – ثقافية إن لم يتم إصلاحها أو إعادة بنائها وفق منطقي العقل والعلم الحديثين فلن تتحرر الطاقات الخلاقة في مجتمعاتنا.
4- أ:
الأسرة هي الوحدة الصغرى في المجتمع، ولا بد أن أحوال هذه البنية القاعدية أو النواة الصلبة تنبيء بالكثير. فالثقافة العربية تسمي الأب "رب الأسرة" وتعد طاعته واجبا على الزوجة التي هي حرمة، وعلى الأبناء الذين هم عيال أو جهال.
وهذه التسمية الاستعارية مناسبة أو مطابقة تماما لوضعية شخص يدرك جيدا أن من تمام حقه أن يتزوج ويطلق من يشاء، وأن ينجب ويربي كما يشاء، وأن يراقب ويعاقب متى وكيفما شاء. وهو يعيش ويتصرف هكذا لأن الأعراف القبلية من جهة والتشريعات الدينية من جهة أخرى تمنحه كل هذه الحقوق ليستعملها كما يرى ويريد.
ونظرا لكون الخروج على سلطة الأب هو "عقوق" محظور من هذين المنظورين، فإن الأبناء عادة ما يكررون الدور ذاته وقد نشئوا على فكرة الخضوع التي تحولت إلى واحدة من القيم العليا في ثقافة المجتمع.
أعلم جيدا أن هناك من يقول لنفسه أو لغيره إن التعميم هنا لا يصح لأن الآباء ليسوا كلهم سواء، ولأن هناك أعرافا وتشريعات تقنن سلطات الأب على أفراد أسرته في المنزل وخارجه. لكني أتحدث عن النموذج الثقافي السائد لا عن الاستثناءات، وعن الواقع المعاش لا عن التنظيرات الموجودة في الكتب.
فخبراتنا المعيشية وكتاباتنا الأدبية، السيرية والروائية خاصة، تثبت أن رب الأسرة العربية المسلمة وولي أمرها يتمتع بحقوق وصلاحيات قد نجد نظيرا لها في مجتمعات أخرى. بل أكاد أجزم أن تطبيق أنظمة وقوانين حديثة حقا على أوضاعنا الأسرية سيفضي إلى نتيجة محرجة لكثيرين منا لأن نسبة كبيرة من الآباء في مجتمعاتنا يمكن أن يصنفوا "مجرمين" ينتهكون الحقوق الأساسية لأقرب الناس إليهم، ونعني نساءهم وأطفالهم!.
ولو وسعنا المنظور قليلا لأدركنا بعدا آخر للمعضلة ذاتها. فالشخصية المقموعة تظل شخصية ضعيفة تابعة لغيرها، وهذه التبعية تفسر لنا الكثير من مظاهر التعصب لعلاقات القرابة التي قد تؤمن بعض حاجات الفرد، لكنها تشتغل ضد تشكل الوعي بالذات الفردية الحرة المستقلة، وضد تشكل البنى الاجتماعية الحديثة كالجمعيات التعاونية، والنقابات المهنية والوظيفية، والأحزاب السياسية (ما يعرف اليوم بالمجتمع المدني الذي نعده العمود الفقري للدولة الوطنية الحديثة).
وخلاصة القول إن الأسرة هي الصورة المصغرة للمجتمع، وشيوع علاقات التسلط فيما بين أفرادها يمثل ظاهرة خطيرة لا بد أن تنتشر آثارها السلبية في كل الفضاء الاجتماعي وذلك لأن أغلبية الناس هم نساء وأطفال كما لا يخفى على أحد منا.
4- ب:
لننتقل إلى البنية الاجتماعية الأكبر، ونعني ما يعرف بالمجتمع الأهلي أوالمدني الذي يتشكل من جماعات إثنية وعشائرية ومذهبية ومهنية غير متجانسة ومع ذلك عادة ما يتم تمثيلها كأسرة ممتدة. ولن نتوقف عند سلطات شيخ القبيلة أو عمدة الحارة أو نقيب المهنة لأنها ظلت توافقات شعبية مرنة ومحدودة في الماضي، ولا بد أنها ضعفت أو زالت في العصر الحديث. عوضا عن ذلك نقارب السلطة الرمزية العامة التي تبرز حينما نتساءل عن النموذج الذي يؤثر أكثر من غيره في الوعي والمخيال الجماعيين ومن ثمة يوجه خطابه أفكار الغالبية العظمى من الأفراد وتصرفاتهم.
فالمؤكد عندنا أنه ليس المعلم أو الإعلامي أو الطبيب أو الصحفي .. بل هو رجل الدين الذي تبجله ثقافتنا السائدة كما تبجل الأب وأكثر. وهي تبجله لأنه ظل يمثل حارس المقدسات، ووريث الأنبياء، وحامل العلم الحق وناقله، حتى إن مفردات "عالم وعلماء وكبار العلماء وعلماء الأمة .." تكاد دلالاتها تنصرف إلى هذا النموذج حصريا وليس إلى أحد من الباحثين في العلوم الإنسانية أو الطبيعية (وقليل من يدرك حجم المفارقة هنا، وخاصة في عصر العلوم والتقنيات)!.
وإذا ما تذكرنا أن النموذج هذا قد يكون مفتيا أو مرشدا أو فقيها أو قاضيا أو خطيبا أو واعظا أو داعية أو معلما لمواد محددة، وقد ينتمي لعائلة كبيرة أو لطبقة متنفذة اقتصاديا وسياسيا، تبين لنا أن السلطات الرمزية والعملية لخطابه منتشرة بصور متنوعة في كل المجال الاجتماعي. ولا غرابة في الأمر لأن المقدس من أرقى ما تنتجه الثقافات البشرية – الدين والفن من جذر واحد كما نعلم – وكلام من يمثله وينطق باسمه يفترض أن يعلو على غيره وقد يجب ما حوله وما قبله وما بعده.
وبصيغة أخرى نقول إن رجل الدين عندنا لا يزال بإمكانه أن يوجه وينصح، وأن يحذر وينذر، وأن يأمر وينهي، وأن يفتي ويحكم، وأن يفسر ويؤول واثقا كل الثقة أن الثقافة التقليدية السائدة تمنحه رتبة عالية وصلاحيات واسعة لا يحلم أي مثقف عادي بمثلها.
لقد ذهبت في بعض كتاباتي السابقة إلى أن بعض الوعاظ النجوم يؤثر اليوم بكتاباته وأشرطته وخطبه في مجتمعاتنا أكثر من جامعة كاملة .. ولا أظنني بالغت في القول أو تجنيت على أحد لأنني أصف واقعا يراه كثيرون عاديا بل وإيجابيا!.
ومع تعدد أشكال الهيمنة التي يمكن لهذا النموذج أن يمارسها على المثقفين الذين يختلفون عنه أو يخالفونه الرأي و الموقف، ولو كانوا من المذهب نفسه، إلا أن المعضلة الأخطر تبرز في مستوى أعم وأعمق. فالخطابات التي يمثلها ويبثها ليل نهار، وبأحدث الوسائل، قادرة على إغراق الحقل الثقافي كله بقضايا فرعية تثير الخلافات والتوترات ولا يمكن الخروج منها بنتيجة إيجابية إلا في النادر من الأحوال والمقامات.
ولقد لاحظ ابن رشد من قبلنا أن هذه الخطابات غير المؤسسة على منطق العقل تظل تشيع الفوضى في الأذهان والاضطراب في المعايير والتوتر في العلاقات لأنها إما تأويلات حرة لنصوص رمزية مفتوحة، أو لأنها تنتمي إلى "ما يمتنع التفكير فيه" أصلا إلا على سبيل التوهم والظن.
وبصيغة أوضح نقول إن تسلط هذا النموذج قد يتمثل في قمع الآخرين، أو في تغذية الصراعات المذهبية التي هي امتداد ماكر للصراعات القبلية والعرقية .. لكنه يصل ذروته حين يمثل هدرا يوميا لطاقات ملايين البشر إذ يشغلون بشيء قريب جدا مما يسمى اليوم ب "الضلالات المعرفية " وبالمعنى العيادي للمفهوم.
فمن ينشغل بقضايا ما بعد الموت، أو بقضايا السحر والجن والعين، أو بالخلافات الكثيرة على تفاصيل المعتقدات والطقوس والرموز في كل مذهب .. لن يفكر جيدا في الإنسان والطبيعة والعالم من حوله. ولو تفكر ليل نهار فالأغلب أنه لن يقول شيئا جديدا لأنه سيظل يعيد ويكرر ما قيل من قبل وإن بأسلوبه الخاص (فالمعرفة المثلى أنجزت من قبل، وهو يخضع لآلية حفظها واسترجاعها لا غير).
وخلاصة القول إن المعتقدات الدينية موجودة في كل المجتمعات البشرية، وبعض الأنثربولوجيين يرفعها إلى رتبة الحاجات الضرورية للإنسان كاللغة تماما، لأنها تنطوي على معان تولد الاطمئنان في النفس كلما حيرتها أسرار الحياة والموت والكون، وعلى طقوس دورية تعود البشر على قيم الانضباط والصبر والترابط والتعاون في اليسر والعسر.
أما إذا حولت إلى أدلوجات ضاغطة تتدخل في كل تفاصيل الحياة اليومية فلا بد أن يتورط الجميع في مآزق لا نهاية لها لأن كل طرف سيعتقد أنه وحده من يعرف الحقيقة وينطق باسم الحق ومن يخالفه جاهل أو فاسق أومنافق أو كافر (وكل دوغما تشتغل هكذا حتى وإن كانت حديثة كل الحداثة).
والحق أن وضعنا من هذا المنظور لا يختلف كثيرا عن وضع أوروبا في القرون الوسطى حيث كان رجال الكنيسة يشكلون نخبة متنفذة بذاتها أو بتحالفاتها مع النخب الأرستقراطية الحاكمة.
4- ج :
وتكتمل الدائرة وتنغلق حينما يفضي بنا الحديث إلى الدولة كبنية سياسية – اجتماعية شاملة لكل ما هو دونها. فنموذج الشخص الحاكم في ماضينا وحاضرنا عادة ما يختزل كل السلطات ويتعالى عليها. وأقواله وأفعاله لا بد أن تؤثر سلبا أو إيجابا في المجال الاجتماعي كله بحكم قدرة أجهزة الدولة على التدخل في حياة كل فرد وكل أسرة وكل فئة أو طبقة اجتماعية.
فالثقافة التقليدية ذاتها تضفي على هذا النموذج تسميات وألقاب تكاد ترفعه فوق رتبة البشر، وتخوله سلطات لم يكن الأنبياء أنفسهم يطلبونها لهم أو لأقرب الناس إليهم (ولم يخطئ بورخيس حينما كتب ساخرا عن حكام الشرق الذين ظلوا منذ أزمنة ألف ليلة وليلة يتصرفون كأنصاف آلهة).
ومع أن الحاكم يمكن أن يسمى أو يلقب خليفة لله أو لرسوله على المسلمين أو أميرا للمؤمنين أو حاكما بأمر الله .. إلا أنه يظل في التحليل الأخير إنسانا عاديا مثلنا تماما. لهذا فمن المتوقع، غالبا، أن يتصرف عمليا في كل أمر واضعا في مقدمة اعتباراته مصلحته فمصالح أسرته وعشيرته وموظفيه الذين هم أتباع يتم اختيارهم بحسب منطق الولاء في المقام الأول. أما مصالح الآخرين الذين يشكلون الأمة أو الشعب فتأتي أخيرا لأنهم يظلون في الواقع رعية مهمشة وإن كانوا يمثلون غالبية المجتمع (ولا غرابة أن تظل استعارة علاقات الراعي برعيته أو بقطيعة حية في خطابنا السياسي إلى اليوم).
هنا أيضا لا يمكن للباحث أن يدين هذا الحاكم أو ذاك، لأنه نموذج تولده الثقافة العامة المشتركة ذاتها، وحديث "كما تكونون يول عليكم" يشتغل كالقانون العام هنا ( لن يظهر حكام مثل عيدي أمين أو الملا عمر في سويسرا أو في السويد).
فليس في تراثنا حدود واضحة بين السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية، وخاصة عندما يتعلق الأمر بولي الأمر الذي تؤول إليه كل السلطات كما قلنا آنفا. وفكرة المدونات القانونية التي تنظم العلاقات بين الحاكم وممثلي هذه السلطات من جهة، وبينهم وبين المحكومين من جهة ثانية، غريبة تماما عن ثقافتنا.
ونظرا لغياب الفكر السياسي والمدونات القانونية التي تنبثق عنه ظلت النخب الحاكمة والمعارضة تستند طوال قرون إلى مقولات فقهية خلافية فضفاضة أو على تراث شفهي لقوم لم يعرفوا الدولة قبل الإسلام , وحين عرفوها بعده ظلوا يعاينوها كما لو كانت ملكية عائلية أو قبلية كبيرة لا غير (وقد بين علي الوردي منذ الستينات أن المنافسات على الخلافة في عصر الصحابة والتابعين سريعا ما انقلبت إلى صراع حاد بين أسر وعشائر يعتقد كل منها أنه الأحق بها، لأن أولئك بشر كغيرهم).
وحتى مع وجود دساتير مكتوبة ومؤسسات حديثة في الكيانات الوطنية الراهنة لم يتغير الوضع كثيرا لأن الطبقة السياسية لا تحترمها ولا تلتزم بشيء منها قد يحد من سلطاتها مما يعني أنها تظل تحسينات شكلية أو أقنعة معاصرة لا غير. لا غرابة بعدئذ أن يبدو الفضاء العربي كله اليوم غريبا وشاذا عن العالم من حوله حيث لا يوجد نظام واحد يمكن وصفه بأنه ديمقراطي حقا، وليس من حاكم يمكن أن يساءل فيستقيل أو يعزل، وقد يفوز الزعيم المستبد المكروه بأغلبية ساحقة في الانتخابات إن وجدت، بل إننا نقدم للعالم كله نموذجا يكاد يكون فريدا من نوعه هو هذه "الجمهوريات العائلية" التي يمكن أن تتكاثر مستقبلا!.
نعم، لا زلنا نعيش تلك الوضعية المقلوبة التي تحدث عنها كانط فيما هو يبين الفروق بين الدولة التقليدية التي ترتبط فيها السلطة بمقولة الحق الإلهي أو الحق العائلي، والدولة الحديثة التي تنبثق كل سلطات رموزها وممثليها من تعاقدات اجتماعية تتحول إلى تشريعات وقوانين يمكن تعديلها وتطويرها لتحقق مصالح الأغلبية من المواطنين الذين هم أفراد أحرار يدركون واجباتهم ولا يسمحون لأحد بانتهاك حقوقهم.
وخلاصة القول إن بنية شمولية كهذه لا بد أن تظل في سيرورة تأزم وتدهور متصل يدفع المجتمع ثمنه الباهظ إلى أن تنهار وتنهض مكانها دولة أخرى من جنسها، وهو ما لاحظه ابن خلدون دون أن تمكنه مفاهيمه ومعارف عصره من الذهاب بعيدا في تقصي علته.
فالعصبية التي تشتد وتضعف مفهوم غني وفعال دونما شك. لكن التحولات التاريخية الكثيرة قديما وحديثا كان من المفترض أن تولد تحولات جذرية فيها وفي كل البنى الثقافية الصلبة ليستجيب البشر للتحديات التي يطرحها عليهم التاريخ ذاته، ولا بد أنها تختلف جذريا من حقبة لحقبة. هذه ملاحظة مهمة في رأينا، ولكن قبل أن نعمق النظر فيها سنحاول بلورة أهم ما تنطوي عليه الفقرات السابقة.
5-
المنزل والمسجد والقصر هي المؤسسات الاجتماعية – الثقافية الأكثر تأثيرا في وعي الناس وسلوكياتهم قديما وحديثا وذلك لأنها "الأكثر اعتبارية" بمفهوم ماكس فيبر، أو لأنها "الأكثر قوة وتملكا لأدوات السيطرة والتحكم" بمفهوم ميشيل فوكو.
ولكي لا تلتبس علينا الأمور أو يفهم كلامنا على غير ما قصد به نستطرد قليلا لجلاء القضية من منظور أعم وأوسع. فالمؤسسات التي تحتكم إليها الأنشطة الفكرية والأخلاقية والسلوكية للفرد ضرورية لكل جماعة بشرية صغيرة أو كبيرة، وذلك لأن حياة المجتمع وثقافته لا يمكن أن تتشكل وتشتغل من دونها.
من هذا المنظور البنائي - الوظيفي يمكن القول بأن منافع السلطة ومؤسساتها أكثر من مضارها، وحتى لو افترضنا العكس ستظل شرا لا بد منه (والفوضوية - Anarchisme – تقول غير ذلك لكنها عندنا مذهب طوباوي جديد لا غير).
بناء عليه يتضح أن المشكلة تتمثل في تلك السمات التي تتحول معها سلطة المؤسسة إلى تعسف وتسلط، إذ هنا تحديدا تختلف الآراء والمواقف والأحكام لأن ما يعد عنفا مشروعا من منظور معين قد لا يرى كذلك من منظور آخر.
لا بد إذن من المقارنة بين أحوال المجتمعات، ومن الاحتكام إلى معايير معرفية وأخلاقية عامة، ويفترض اليوم أن تنتمي إلى عصرنا الراهن.
فمن هذا المنظور المزدوج لا يمكن للباحث الجاد إلا أن يرى في العقاب الجسدي للطفل أو للمرأة شكلا من أشكال التسلط، وفي فرض الرأي الديني أو المذهبي على كل الناس شكلا ثانيا، وفي استعمال بعض النخب المتنفذة منطق القوة للاستحواذ على المناصب العليا والثروات الكبيرة شكلا ثالثا وهكذا.
وإذا ما اتفقنا على وجاهة القول فلا أظننا في حاجة إلى كثير من عمليات البحث والتقصي كي نقول إن هذا هو واقع الحال في مجتمعاتنا العربية مشرقا ومغربا للأسف الشديد . فتلك النماذج البشرية - الثقافية التي وصفناها من قبل نادرا ما تمارس السلطة بالمعنى الإيجابي للمفهوم، أي ضمن علاقات مقننة تحترم كرامة الفرد وتكفل حريته وتحقق مصلحته. وهي تمارس وتنشر ألوانا متنوعة من التعسف والعنف في فضاءات الأسرة والمجتمع والدولة لا لخلل فطري في الكائن الفرد أو في الدين أو في الدولة، بل لأن الثقافة التقليدية المهيمنة في مجتمعاتنا تعلي من شأن بعض الأفكار والقيم التي تغلب منطق القوة على منطق الحق وهكذا تولد وتغذي نزعات التسلط وتضفي عليها المشروعية.
وبصيغة أخرى نقول إن العلاقة بين هذه الثقافة والممارسات التعسفية هي علاقة منطقية من جهة (هذه سبب لتلك) وعلاقة عضوية من جهة أخرى (هذه امتداد لتلك).
فالتسلط قد يتجلى في أشكال مختلفة، وقد يمارس على درجات متفاوتة، لكنه يظل يتغذى من الجذر الثقافي ذاته مما يعني أنه واحد في العمق، أو أنه درجة عليا من ممارسة السلطة بشكل متعسف أو غير مقنن لاغير.
ولو استعنا بالفكر النقدي الحديث الذي اشتغل كثيرا على موضوعات كهذه، وخاصة منذ عصر التنوير إلى اليوم، فسيفيدنا بالمزيد من أسباب الفهم وأدوات التحليل.
فالثقافات التقليدية شرقا وغربا عرفت هذه الظاهرة ومرت بهذه المرحلة التاريخية. وعلاقات التعاضد، بل والاعتماد المتبادل، بين خطابات الأب والشيخ والحاكم منطقية دائما ومتوقعة غالبا في ثقافتنا لأنها سلاسل خطابية متجانسة في العمق. وهي تشتغل وتتفاعل هكذا لأنها ليست مرتبطة بأفراد عابرين بل بمؤسسات عريقة قوية تحمل الفرد على تمثل الموقف وتمثيله بأقصى قدر ممكن من الكفاءة. ومن يفشل في المهمة تنفيه أو تهمشه المؤسسة المعتبرة وخطاباتها ما لم يكن مستندا إلى عوامل أخرى قادرة على تفكيك شبكة العلاقات القائمة وصولا إلى كسر منطق التسلط ذاته.
فالأب يحتاج الشيخ لإضفاء المشروعية الدينية والأخلاقية على سلطته في بيته الذي هو مملكته وعلى أفراد أسرته الذين هم رعيته. والشيخ يحتاج الحاكم للاعتراف بسلطاته الواسعة وفرضها على المجتمع الأهلي. ولا بد أن الحاكم يحتاج إلى الأول لتعويد الرعية على الطاعة منذ فترة مبكرة، وإلى الثاني ليضفي المشروعية الدينية ذاتها على كل ما يقول ويفعل.
وليس من الغريب أن تصل التحالفات ذروتها حين تتغير شروط الحياة والفكر ويظهر في المجتمع من يحاور تراث الماضي من منظور نقدي جريء معمق.
وأعني هذه الفئات الجديدة من المفكرين والباحثين والمبدعين الذين يحاولون الكشف عن نسبية الأفكار والقيم التي ظل الخطاب السائد يكررها ويكرسها قرنا بعد قرن وجيلا بعد آخر حتى حسبها الناس حقائق أزلية أبدية فيما قد يكون معظمها من قبيل الأوهام التي نسينا أنها كذلك كما يقول نيتشه.
ولعل من أبرز الآليات التي تعمل بفعالية كبرى في سياقنا الثقافي تحديدا إطلاق تهم النفاق والفسق والزندقة قديما، وتهم التغريب والعلمانية والحداثة وموالاة العدو الخارجي حديثا .. وكلها عنف لفظي هدفه وصم المثقف المخالف أو المختلف بالانحراف والشذوذ ومن ثمة تبرير حصاره، وربما استئصاله شخصا ونصا!.
ومع خطورة القمع الذي يطال النخب الخلاقة في المجتمع إلا أن التسلط الأخطر هو ذلك الذي يشتغل بصمت في الأحوال المعتادة حتى يألفه الناس ويعدونه شيئا طبيعيا، بل وحميدا أحيانا. ففي هذه الحال تنتشر ثقافة الخوف في مجمل علاقات الحياة اليومية، ويعتاد الفرد على معاينة الآخرين المختلفين عنه من منظور الريبة، وربما العداء، وهكذا تتأزم العلاقات بين الأفراد والفئات وتنقلب مؤسسات المجتمع كلها إلى فضاءات قمعية يعانيها جل المنتمين إليه أو الساكنين فيه.
ولم يخطيء إدوارد سعيد حين ذهب في بعض مقالاته إلى أن الناس في المدن العربية غالبا ما تبدو ملامحهم كئيبة وعلاقاتهم متوترة بسبب تفشي ظاهرة القمع هذه. لكننا نزعم أن القمع السياسي الذي ركز عليه ليس سوى الجزء البارز من جبل الجليد، وقد وصف هو ذاته طرفا من القمع الثقافي في سيرته الشهيرة "خارج المكان".
أما عبدالله حمودة فقد حلل مجمل الوضعية بعمق أكثر في الكتاب المشار إليه سابقا، ليخلص إلى نتيجة مثيرة للقلق والخوف حيث أن التسلط المتفشي في مختلف مستويات الحياة يجعل مجتمعاتنا كلها "انفجارية" لا يمكن لأحد التنبؤ بما سيحدث فيها على المدى المتوسط والطويل.
ليس من باب التشاؤم إذن أن نقول إن التلسط نجح في زرع جيناته في صلب الثقافة العامة والخاصة بقدر ما نجح في توليد النماذج البشرية التي تحرسه وتكرسه في كل البنى والمؤسسات الاجتماعية. فالحاكم والشيخ والأب يمكن أن يعاينوا كحلفاء يمثلون سلطات متراكبة في المستوى التاريخي – الاجتماعي، وكأخوة أو أبناء عم يمثلون سلطات متجاورة في المستوى الانتروبولوجي – الثقافي، لكنهم يمثلون في مستوى الفكر الفلسفي الأعم والأعمق نموذجا واحدا لذلك الرجل الذي تمنحه ثقافته الذكورية السائدة سلطة شبه مطلقة على كل ما ملكت يمينه وكل من هم في حوزته أو تحت ولايته.
ونلح على هذه الثقافة الذكورية لأن الرجل هو الذي كان ولا يزال النموذج الذي يهيمن في البيت والمجلس والمسجد والمكتب كما لو أنه الإنسان الكامل وغيره ناقص ومحتقر بالضرورة (وهذا هو فكر التوحش الذي حللناه بشكل أكثر تفصيلا في دراسات سابقة عن المرأة).
ولكي لا نظل أسرى لمنطق التأويلات الدائرية المغلقة نطرح التساؤل من منظور تاريخي متسع هذه المرة: لماذا تتغير جل الثقافات البشرية الكبرى وتتطور بانتظام ويجمد بعضها وكأن منطق التاريخ بكل محمولاته الدلالية لا يجوز عليها؟.
6-
تنزع الثقافات التقليدية في مجملها إلى تفضيل منطق التراتب الذي يحول والكون والعالم والمجتمع إلى طبقات بعضها فوق بعض. ونظرا لكون الثقافة من هذا النمط صلبة جدا وهشة تماما في الوقت ذاته (دوغما) فإنها لا تتقبل الحوار حول مرتكزاتها الأساسية التي تبدو في رتبة البدهيات أو الحقائق المطلقة التي ينبغي التسليم بها كما هي عليه . وهي تلجأ إلى استعمال "القوة"، أي إلى المنع والكبت، ليس لأنها غير حوارية بطبيعتها، بل لأن ممثليها الرسميين يدركون جيدا أن الحوار المعرفي الجاد حول مقولاتها وقضاياها ورموزها يمكن أن يخلخل بناها الدوغمائية الصلبة وقد يفتتها تماما كما حصل في كثير من المجتمعات البشرية عبر التاريخ.
وبعبارة أخرى نقول إن هذه الثقافة ومثيلاتها تظل تشتغل هكذا إلى أن تطرأ عوامل إبدال تاريخي أو معرفي من القوة بحيث تضطرها إلى التكيف مع منطق جديد يموضع الأشياء والبشر والأفكار على محور أفقي يبرز علاقات التجاور والتشاكل فيما بينها فيؤنسنها.
ففي هذه الحال يتراجع دور النخب التقليدية لصالح نخب جديدة تسلم بمشروعية التنوع والاختلاف في الأفكار والمواقف، وبجدوى التعامل وفق مقولة المساواة بين البشر في الحقوق والواجبات، وبأهمية العمل والإنجاز كقيمة عليا تموضع الفرد في المكانة التي يستحقها بغض النظر عن عرقه وجنسه ومذهبه. وجزء أساسي من معاني تقدم البشر في التاريخ أو رقيهم في سلم الحضارة يتمثل في مدى تمكن هذه الثقافة الجديدة التي تعلي من شأن الحريات الفردية وتنمي علاقات التفاعل الخلاق بين مختلف الفئات الاجتماعية وتصر على مبدأ التبادل السلمي للمواقع والسلطات بين كل القوى السياسية.
بناء على هذا كله نقول إن تلك العصبية ليست قانونا طبيعيا حتميا أو وضعية تاريخية ملازمة للعرب دون غيرهم بقدر ما هي جزء من بنى ثقافية عتيقة قاومت سيرورة التغيير وستظل تقاومها بشتى الوسائل والحيل.
وبصيغة أخرى نقول إنها ليست مفهوما مفسرا بل ظاهرة تحتاج إلى تفسير، ولكي نتفهمها من هذا المنظور لابد أن نعكس منطق القول لنعيد صياغة الإشكالية ومنهج مقاربتها. فجمود ثقافة غنية عريقة كثقافتنا هي المفارقة التي ينبغي على الباحثين التفكير فيها، ولكي يتم التفكير فيها كمفارقة تنطوي على إشكالية كبرى لابد أن نقف خارجها ولكن على مسافة قريبة منها. لماذا؟ .. لأن الابتعاد كثيرا عنها قد يورطنا في منطق المستشرق الذي يرى أن الاستبداد من طبائع الشرقيين والجمود من صلب عقيدة الأسلام، والبقاء في دائرتها يعني أن منطق الثقافة ذاته سيسيطر على الباحث ومقاربته بكل بساطة (هذا ما حدث لابن خلدون، في المقدمة وفيما بعدها، لأن مفاهيمه وأدواته لم تكن مفارقة لثقافته والأفق المعرفي لعصره لم يسعفه بغيرها ).
لنحاول إذن مقاربة المعضلة وستتضح المفارقة بشكل جلي. فمن منظور زمني إرجاعي كان من المفترض أن تضعف العصبيات القديمة كلها تدريجيا مع ظهور الإسلام ونشوء مدينته ودولته التي كان من الممكن تماما أن تستند إلى منظومات أفكار وقيم ومعايير جديدة قدمت نفسها على أنها نقيض مباشر لما قبلها، ولتلك العصبيات الجاهلية البغيضة على وجه الخصوص. وتتعزز وجاهة هذا الافتراض من المنظور الإبستمولوجي أو المعرفي حيث نمت وتطورت خلال القرون الأربعة التالية خطابات الفكر الفلسفي، وضمنها الخطاب العلمي النظري والتجريبي، لتخترق مجمل الحقول الثقافية بفضل حيوية النخب العالمة، ومنها النخب الدينية ذاتها (ابن حزم كان فقيها مجتهدا، وابن رشد وابن خلدون كانا قاضيين).
ومن منظور تزامني أو آني نلاحظ أن عوامل الإبدال التاريخية والمعرفية ذاتها تكررت، وبصيغة أقوى من ذي قبل ربما . فلقد نشأت الدول الوطنية الجديدة تباعا، وتمت استعارة الكثير من الأنظمة والمؤسسات من الثقافات الغربية الحديثة وأثرت عمليا في كل مجالات الحياة، وخاصة منذ نهاية القرن التاسع عشر الميلادي الذي شهد ما نسميه اليوم بداية عصر النهضة الأدبية والثقافية.
وإذا كانت القطيعة في مستوى الثقافات الشعبية غير واردة في أي مجتمع بشري، فقد كان من المفترض والممكن أن تحدث سلسلة من القطائع الجدية في مستوى الثقافة العالمة التي تتمثلها وتمثلها النخب الجديدة الفاعلة في المجتمع.
ونركز على ثقافة هذه النخب لأنها هي القوى الطليعية التي عادة ما تتبنى منطق التغيير وتباشره فتفتح أفق التقدم أمام الجميع ليصاحبوا التاريخ ويعملون معا لمجابهة التحديات وكسب الرهانات التي يطرحها عصرهم عليهم جميعا.
ونظرا لعدم تحقق شيء من هذا قديما وحديثا فإن التساؤل عن العامل الأهم الذي عطل وسيعطل سيرورة التطور في معظم مجالات الفكر والعمل يطرح نفسه مجددا وبشكل أكثر حدة. هنا أيضا تعددت الاجتهادات وستظل تتكاثر، لأن للمربي والاجتماعي والاقتصادي والمفكر السياسي وجهات نظر مشروعة ومفيدة في الوقت نفسه. لكن المنظور الفكري الذي يؤسس لهذه المقاربة نظريا ومنهاجيا يحملنا حملا على ترتيب العوامل بحسب أهميتها لكي يبرز أكثرها قوة وتأثيرا بالأمس واليوم.
هنا تحديدا نزعم أن السبب الأجلى في إعاقة سيرورات التطور في سياقنا الخاص يتمثل في تلك الأدبيات الثيولوجية المتضخمة التي صبغت ثقافتنا كلها بصبغة دينية، غالبا ما تكون مذهبية، بحيث لم يعد من المقبول التفكير في أي قضية بسيطة أو مركبة، فردية أو اجتماعية، طبيعية أو ثقافية إلا من هذا المنظور الأحادي من جهة، والمعادي لكل فكر عقلاني جاد ولكل علم جديد من جهة أخرى.
وإذا كان العرب قد توقفوا "عند حافة واحدة من أكبر الثورات الفكرية في التاريخ" كما يقول توبي . أ . هوف في كتابه "فجر العلم الحديث .. " فذلك لأن ثورة كهذه تقتضي تجاوزا لكل الأنماط التقليدية للعلاقات الاجتماعية، وهذا ما ظل يتوجس منه ويحاربه رجال الدين الذين عادة ما تكون لهم السيادة الفكرية في المجتمعات الإسلامية كما أشار إليه الباحث ذاته في غير موضع من كتابه (صص : 82- 91- 110).
وهم لم يتخذوا هذا الموقف لأنهم يعادون العلماء في المجالات الأخرى بالفطرة، بل لأنهم توارثوا خطاب الخوف من الابتعاد عن الأصل الذي ينبغي حفظه والتذكير به وتمجيده لأنه النموذج الأكمل لكل فكر وخلق. من هذا المنظور يتضح كيف أفضت عمليات تضخيم مقولات المقدس لتنتشر وتهيمن على الحقل الثقافي كله إلى أخضاع ثقافتنا في مجملها لنزعة سلفية تظل مشدودة إلى مرجعيات ثابتة يزداد التعلق بها والخوف عليها كلما مضى بنا الزمن بعيدا عنها. فالنماذج العليا في اللغة والأدب والمعرفة والسياسة والأخلاق .. هي ما أنجزه الأسلاف في الماضي، ومن لا يسلم بهذا الأمر ويشيد به ويشيد عليه فهو محدث أو مبتدع لا يعتد بفكره وإنجازه.
نعلم جيدا أن هذه النزعة السلفية المعممة لم تكن خيارا لأحد في البداية لأن الثقافة العربية ما قبل الإسلامية كانت ثقافة قبلية شفاهية لا علاقة لها لا بمدينة أو بدولة. لكننا نعلم أيضا أن التحولات الكبرى التي طرأت تاليا جعلت النخب الفاعلة في جل الحواضر الإسلامية تتفاعل بشكل خلاق مع الفكر الفلسفي، وضمنه التفكير العلمي النظري والتجريبي، بل وشاركت بقوة في تطويره كما بينه بتوسع توبي أ هوف وكثير من الباحثين قبله وبعده.
وإذا كان النكوص والارتداد قد أصاب ثقافة حيوية كهذه فذلك لأن هذا العائق العميق ظل يعطل سيرورة التطور التاريخي للفكر، بما ينطوي عليه ويولده من أشكال الحراك الاجتماعي والسياسي والاقتصادي ..، وخاصة بعد أن نجح رجال الدين التقليديون في سحب المشروعية عن هذه العلوم العقلية باعتبارها أجنبية أو دخيلة مشبوهة أو خطرة.
ولم تكن كتابات واعظ كالغزالي لتصيب الفلسفة وعلومها في مقتل لولا شيوع تلك النزعة من قبل، وتحديدا منذ عصر التدوين الذي تأسست فيه كل العلوم التقليدية بطريقة تجميعية فجة تتمركز حول الخبر الذي تحول إلى مصدر لكل علم معتبر!.(ومفهوم التجديد لم يعد يعني الإضافة إلى ما سبق إنجازه بل العودة إلى الأصل الأول النقي).
ولعله من الضروري أن نلح على هذه القضية اليوم أكثر من أي وقت مضى لأننا لا نزال نعاني الإشكالية ذاتها، ولن نتجاوزها دون الوعي بأن القطيعة مع معارف الماضي، وليس مع العقيدة الدينية في ذاتها، ليس مطلبا لبعض النخب الحديثة بقدرما هو سنة تاريخية وحاجة اجتماعية في المقام الأول.
7-
ذهب جيل ديلوز إلى أن الفلسفة ليست أكثر من إبداع متصل للمفاهيم، ونزعم من جهتنا أن العلوم البشرية كلها، طبيعية وإنسانية، هي كذلك. ومن يظن أن التقدم ممكن من دون فكر عقلاني علمي جديد يثري اللغة بمقولات ومفاهيم ومصطلحات جديدة تعين على تفهم معطيات التاريخ الجديدة ومواجهة تحدياته الجديدة وكسب رهاناته الجديدة سيبرر ذلك الجمود وينمي تلك المفارقة لا غير.
ولن يختلف الموقف هنا عن موقف من يصرعلى صناعة آلات حديثة وتشغيلها وصيانتها بأدوات حرفي تقليدي ورث المهنة البسيطة وأدوات الإنتاج من أسلافه البعيدين!.
ولكي لا يتحول الرأي إلى تهمة لنا أو إلى اتهام منا لغيرنا نبادر إلى التأكيد على مسألتين لا نرى معنى أو جدوى من الخلاف حولهما. المسألة الأولى إن الدين الإسلامي الحنيف كما تمثل في القرآن الكريم وصحيح السنة الشريفة هو شيء آخر غير تلك الأدبيات التي هي من اجتهاد البشر، أي أنها منتوجات أفراد مثلنا يصيبون ويخطئون، ويفترض ألا تكون لمعارفهم وأفكارهم سلطة معرفية على أي باحث في عصرنا.
المسألة الثانية أن النخب الثقافية العربية كلها مسؤولة، وإن بدرجات متفاوتة، عن هذه الوضعية التي عطلت العقل وشلت الطاقات وشتت الجهود حقبة بعد أخرى وجيلا بعد جيل حتى أصبح الجمود هو العلامة المائزة لمجتمعاتنا!.
إنها صيغة أخرى للقول بأن التخلف ليس قدرا إلهيا لنا، وليس مؤامرة شياطانية من أعدائنا علينا، بقدر ما هو حالة ثقافية على النخب العارفة كلها أن تتعاون من أجل فهمها والعمل على تجاوزها.
فتراث الماضي متنوع وغني لا شك في ذلك، وحين يحاوره الباحثون بوعي ويستلهمه المبدعون بحرية سيزيد غناء وحضورا في الراهن والمستقبل. لكن الاعتقاد بأنه مخزن لا ينفذ لكل معرفة ولكل فكر هو الوهم الخطر ذاته. فكل تراث قديم هو رأسمال رمزي محدود تظل مضامينه المعرفية والفكرية تتلاشى باستمرار. وحين يتم تصنيمها في مقولات أيقونية جامدة مطلقة يراد لها أن تتداول أبدا حتى وإن لم يعد لها قيمة عملية تذكر ستتحول الثقافة بمجملها إلى شكل من أشكال الثرثرة الهذيانية التي لا طائل من ورائها وإن ولدت بعض الارتياح في النفس القلقة المتعبة.
لقد لاحظ جاك بيرك أن الثقافة العربية ظلت تعاني من تضخم الدوال وفقر المدلولات، وهذه في اعتقادنا صياغة مهذبة وماكرة للمعضلة التي نشير إليها (ولعل مقولة القصيمي بأن العرب "ظاهرة صوتية" تتضمن أطروحة فكرية مشابهة وإن صيغت بأسلوب شعري).
فثقافاتنا السائدة مترعة بمقولات ومبادىء عامة متناقضة تبدو وجيهة بل وجميلة جدا في مستوى القول، لكنها غير معتبرة أو مؤثرة في مستوى الفعل، لأنها لم تخضع لمنطق الفكر النقدي الذي يراجع ويعدل ويضيف وعادة ما ينفي كل ما لا ينسجم مع تحولات التاريخ وتغير الآفاق المعرفية.
ومع أن كثيرا من المفكرين والباحثين والمبدعين العرب يدركون الخلل ويمكنهم البحث في أسسه ومرجعياته من منظورات نقدية خلاقة، إلا أن الوعي بالخطر يجعل فريقا منهم يفضل الصمت، وفريقا آخر ينخرط في مديح الماضي وتضخيم منجزاته في كل الحقول!.
فالتسلط يبرر القمع، والقمع يولد الخوف، والخوف يفضي إلى النفاق، وحينما يتحول هذا الشعور الفادح إلى ثقافة اجتماعية سائدة تصاب الشخصية العامة بالازدواجية، وربما الفصام، فتقول شيئا في المجال العام وتمارس في حياتها الخاصة فعلا يخالف محتواه أو يناقضه.
ولعل أخطر أشكال التسلط ما يمارس باسم المقدس لأن القمع يصبح العمل المشروع أو الواجب ذاته، وهكذا تفقد الضحية معاني إنسانيتها، وتنزع عن فعلها كل قيمة رمزية (فهو شيطان، وعمله شر وباطل).
وخلاصة القول إن المقدس متعال أو مثالي بطبيعته، ولعل من شروط احترامه عدم تحويله إلى سلاح إيديولوجي نفعي يستعمله بعضنا ضد البعض الآخر، سواء ببراءة وحسن نية أم بغيرهما. وإذا ما بقينا نعاينه ونستعمله هكذا فسيظل الباحثون ضحايا للعنف الذي يشتغل اليوم لمصلحة من يكونون ضحيته غدا، وسيظل المجتمع ضحية الجمود الذي يولد المزيد من الجهل والتخلف، وستظل الدولة الوطنية ضعيفة ومهددة بالتفكك ما لم تستند إلى قوى خارجية تحميها من جهة وتهيمن عليها من جهة أخرى.
بل إن صورة الإسلام ذاته ستبدو للعالم مشوهة تماما لأن هناك من سيظل يرفض باسمه كل ما غدا به العالم الحديث حديثا، أي الفكر العقلاني والنزعة العلمية التجريبية ونظم الحكم الديمقراطية ومجمل ما يتصل بحقوق الإنسان وحرياته الشخصية والمدنية!.
8-
لنختم بما يمكن أن يعزز تشاؤم العقل وتفاؤل الإرادة. ونظرا لكون الأيديولوجيات المحافظة ترتاح كثيرا للاستعارات العضوية التي تمثل الأسرة والمجتمع والدولة والأمة كجسد واحد كما بينه لايكوف وجونسون في كتابهما الشهير بعنوان "الاستعارات التي نحيا بها" فسنستعملها بدورنا لبلورة رأي ورسم أمل. فنحن ممن يزعم أن الإنسان العربي تعلق كثيرا، وطويلا، بتراث أسلافه وهو اليوم في أمس الحاجة إلى مباشرة شكل من أشكال "الفطام الثقافي"، وإن لم يباشره بنفسه فسيفرض عليه فرضا (ومنطق التاريخ ومنطق التقنية يعملان هكذا ولو توهمنا غير ذلك). وهو في حاجة إلى هذا الفطام، وبكل محولاته الدلالية، لأنه لن يكبر جسدا وعقلا من دون غذاء جديد متنوع لن يجده لا في صدر الأم ولا في خزانة الأب.
نعلم جيدا أن الفطام رضة مؤلمة للنفس والجسد، لكننا ندرك أيضا أنه يمثل بداية مرحلة يتعين على الكائن فيها أن يبدأ مسيرة الاستقلال التي تهيئه لكي يتعلم ويعمل ويكسب ويعيش محققا كينونته الفردية الحرة المستقلة الخلاقة.
ولو استعملنا الاستعارة ذاتها من منظور آخر لقلنا إن الجسد العربي عليل، أو جريح كما يقول الخطيبي، ولا بد أن يوصف ويحلل كما هو عليه ليتم التفكير بشكل جدي في علاجه (ولن نتعب كثيرا لأن أدوات التشخيص والأدوية فكرفيها آخرون قبلنا وأنتجوا منها الكثير غربا وشرقا).
ومن يجبر المريض على التداوي بالرقى والتعاويذ والتمائم التي يقال صباح مساء أنها لا تزال صالحه لكل زمان ومكان، فالمؤكد أنه سيزيده وهنا على وهن وربما يعجل بموته.
وهنا تحديدا لعله من المفيد أن نذكر بحقيقة أخرى على رجال الدين ورجال السياسة التفكير فيها جيدا لأنهم ربما كانوا مسئولين عنها أكثر من أي أحد.
فالجسد الفردي يمكن أن يهرب ليتحرر من الجسد الجماعي، وهناك للأسف الشديد ملايين من المهاجرين والمهجرين الذين فعلوها وسيفعلها كثيرون غيرهم وكثيرات. ومع إن هذا الخيار قد يكون حاسما، إلا أننا مع من يظل يحاول ويجتهد واثقين كل الثقة أن هدر الطاقات داخليا أكثر خطورة مما نسميه نزيف الأدمغة أو هجرة الكفاءات.
من هذا الموقف نلح على ما ألح عليه ومارسه ابن رشد من قبل، أي على ضرورة "الاستعارة الثقافية النوعية الجريئة" لكل خطاب فكري أثبت جدواه في سياقات أخرى . فلا غنى لأحد اليوم عن استعارة الفكر الديمقراطي في مجال السياسة، والفكر العقلاني العلمي في مؤسسات التربية والتعليم والبحث لأنهما السبب الأهم لكل منجزات الحضارة الإنسانية الراهنة فيما نعتقد.
ونلح على الاستعارة بهذا المعنى المختلف، لأننا لا نسلم بإمكانية الاستعارة الكلية لما هو جاهز وموجود من قبل (إحياء تراث الآباء والأسلاف) ولا نرى جدوى في الاستعارات الرغبوية الضيقة (نأخذ من الآخرين ما نريد ونترك ما نريد).
وسنظل أوفياء للتوجه الإصلاحي، فكرة أو أيديولوجية، لأننا لم نعد نثق في منطق المعجزات المتحققة أو المنتظرة، ولا في منطق الثورات التي تقلب الوضعيات رأسا على عقب (وقد جربناهما طويلا وكثيرا ولم نخرج بطائل).
نعم، لا شك في أن مجتمعاتنا إصلاحات مهمة في مجالات الأسرة، والتربية والتعليم، والسياسة، لكن آثارها لا تزال محدودة لأنها جزئية، ولا تمس مرتكزات تلك الثقافة التقليدية العتيقة التي لا تزال هي المهيمنة على معظم الأفراد والمؤسسات الاجتماعية.
لقد ضيعت بعض بلداننا قرنين من الزمن وهي تحاول التنمية دون أمل، وبعضها سائر في طريق الفشل ذاته (ما أسميه تنمية مظاهر العمران وتدمير كيان الإنسان)، بينما نجحت الهند وتايوان وسنغافورة وكوريا وماليزيا وجنوب إفريقيا .. في كسب رهان التقدم في مجالات حاسمة وأكثرها لم يخضه بشكل جدي إلا منذ عقود قليلة. أما اليابان فهي نموذج فريد من نوعه ولذا نختم به هذه الخاتمة.
لقد كان شعار نخبها الإصلاحية في العهد الميجي بسيطا وواضحا وفعالا: "الياباني، ابن الشمس، متفوق بطبعه ولذا فإن محاكاة الغرب في كل أسباب قوته ستضمن له التفوق في كل شيء".
وحينما قاد كسب الرهان التقني إلى مغامرة عسكرية خاسرة وفرض النظام الفكري الليبرالي في مجمله على الجميع كان على النخب الفاعلة مجابهة الرهان الثقافي المتسع بمنطقه ذاته. هكذا كان أمبراطور اليابان أول من تبنى مقولة "لا بد من قبول ما ليس منه بد" .. وكأنه يعلن بنفسه نهاية عصور الثقافة اليابانية القديمة وبداية عصر ثقافي جديد يحتكم لشروط تاريخية ومعرفية جديدة تماما.
الغريب بالنسبة لنا أن غالبية اليابانيين لم يتخلوا عن معتقداتهم وطقوسهم ومأكولاتهم ومشروباتهم التقليدية الأصيلة، لكن الثقافة اليابانية الحديثة أصبحت تغني العالم كله بمنجزات علمية وفكرية وفنية تنافس أرقى ما وصلت إليه البشرية الراهنة من جهة، وتترجم أجمل خصوصيات الوعي والمخيال الجماعيين في ذلك البلد البعيد العريق من جهة أخرى!. كأن المحاكاة الكسولة تظل تقليدا بليدا كما ذهب إليه أفلاطون، بينما المحاكاة الجادة تبدأ تقليدا وتنتهي تجديدا وإبداعا كما تنبه له تلميذه أرسطو!.
ولو ركزت على ما يخصنا من هذه المنجزات، لتمنيت من كل المثقفين والباحثين العرب أن يقرأوا شهادة ذلك الباحث الياباني الذي أشرت إليه من قبل.
لقد كتب عنا بعد أن عايشنا أربعين عاما، ومع أنه كتب ما يشبه الشهادة المتعاطفة معنا، بشرا وقضايا، إلا أنه بدا مذهولا تماما من سلوكيات أطفالنا ونسائنا وشيوخنا وأدبائنا ومفكرينا .. وبخاصة من ذلك الإمام الأزهري الذي عاش عقدين في طوكيو ولم يتغير شيء في فكره وسلوكه!.
هل نستطيع أن نقول إننا فعلا خير أمة أخرجت للناس وما علينا إلا نحقق هذه الخيرية في مستوى الفعل والإنجاز لا في مستوى الكلام؟.
لا ندري ولا نجزم بشيء لأن كل الاحتمالات واردة. لكننا نتمنى ذلك موقنين تماما بأن الله جل وعلا لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأذهانهم عن أنفسهم وعن العالم من حولهم.
ولكي لا يظن أننا وحدنا من يفضل تشاؤم العقل وتفاؤل الإرادة لنقرأ ما قاله صديقنا إبراهيم البليهي بهذا الصدد: "إن الحضارة الإنسانية المعاصرة قد غيرت الرؤى عن الكون والحياة والإنسان والمجتمع والسلطة والثقافة والمعرفة والعقل وتوصلت إلى حقائق جديدة نعترف بهذه التغيرات النوعية العظيمة فأصبحنا خارج النشاط الحضاري العالمي وبقينا نتعامل مع أنفسنا ومع العالم بمنطق ومعارف ورؤى ومعايير وفلسفة ما قبل التغيرات النوعية في الحضارة الإنسانية وهذا يعني حتما العجز عن التعامل الراشد مع متطلبات الحياة المعاصرة وفقدان القدرة على التلاؤم مع الواقع العالمي الزاخر بالحركة والإبداع .. مغايرة لما كان سائدا في الحضارات القديمة، لكننا نحن العرب والمسلمين لم نعترف بهذه التغيرات النوعية العظيمة فأصبحنا خارج النشاط الحضاري العالمي وبقينا نتعامل مع أنفسنا ومع العالم بمنطق ورؤى ومعارف وفلسفة ما قبل التغيرات النوعية .. وهذا يعني حتما العجز عن التعامل الراشد مع متطلبات الحياة المعاصرة .." (البليهي : في حوارات الفكر والثقافة. مؤسسة الانتشار العربي – النادي الأدبي بحائل 2008 . ص 191 ).
* نص المحاضرة التي ألقاها الدكتور معجب الزهراني في جمعية المنتدى بالبحرين مساء يوم الاربعاء الموافق 4 فبراير 2009 .