Untitled 1

 

 2010/9/11

 بحث

 

 

تاريخ النشر :24/5/2009 6:49 AM

المرأة الخليجية .. والخروج من مرآة الغريبة !

1

مشاري الذايدي

1

مشاري الذايدي

 

"وقد ضربوا المثل بمرآة الغريبة في الوضوح والصفاء، وفسروه بأن الغريبة تعنى دائما بشكلها وزينتها حتى تظهر لأهل  الزوج بمظهر لائق وتتجنب العيوب والمذام ولذلك تختار افضل المرايا، ومنه قول الشاعر :ووجه كمرآة الغريبة اسجح !" ( هادي العلوي / فصول عن المرأة، دار الكنوز الادبية ص 21).

تمهيد:

في البداية أود أن اشكر الإخوة في المنتدى على تخصيص الندوة لهذا الموضوع الخصب، معوقات الحريات الفردية والسياسية في مجتمعاتنا.

الحق أن الموضوع خصب، لكنه شائك وملغم في نفس الوقت!

رأى الإخوة المنظمون أن أركز حديثي في هذه الورقة حول "التحدي الذي يواجهه الإصلاح في مجال حقوق المرأة من قبل قوى الإسلام السياسي".

وأنا أوافقهم الرأي في أهمية التركيز على هذا المطلب، وحتى أكون أكثر تحديدا، لأن موضوعا كموضوع الحريات ومعوقاتها في المجتمعات العربية،هو من الضخامة بحيث لاتحيط به ورقة أو ندوة، وبما أننا نتحدث من البحرين، لؤلؤة الخليج، وغالبية الحضور هم من أهل الخليج، والمتحدثون من أهل الخليج، فليت الإخوة والحضور الكريم  يسمحون لي بتركيز حديثي حول الحقوق السياسية والاجتماعية للمرأة الخليجية، رغم علمي بوعورة هذا المسلك الصعب، مع أن الحديث فيها سيكون عن السيدات، الأمهات والأخوات والبنات والزوجات والزميلات، باختصار عن عطر الأرض!

ولي عذر في هذا التخصيص للحديث بسبب مانشهده في هذه المرحلة من تطور نوعي في مسيرة المرأة الخليجية، بدرجات متفاوتة، بين دولة وأخرى، فأثناء حديثنا هذا تجري في الكويت انتخابات نيابية، ابرز مافيها هو تعاظم الدور السياسي للمرأة الكويتية بعد كفاح طويل منذ بداية دولة الدستور (صدر دستور الكويت في 11 نوفمبر 1962 في عهد الأمير الراحل عبدالله السالم الصباح، و أجريت أول انتخابات لمجلس الأمة الكويتي في أوائل 1963)، اغلب التوقعات تشير الى أننا ربما سنشهد دخول المرأة الكويتية لأول مرة إلى العمل البرلماني بعد أن احتكره الرجل لعقود.

ورأينا في السعودية، قبل أشهر قليلة ، تعيين  السيدة نورة الفايز ، كأول امرأة تصل الى هذا المرتقى ، في منصب نائب وزير ، في وزارة ذات وزن ثقيل، هي وزارة التربية والتعليم ، وقبل ذلك بقليل رأينا تعيين أكثر من امرأة وزيرات في الحكومة الاتحادية للإمارات العربية المتحدة، كما رأينا في البحرين تعيين سيدة وزيرة للإعلام والثقافة ، وهي الشيخة مي آل خليفة، وفي قطر رأينا مؤخرا الدور البارز للمرأة وزيرة، وعميدة لكلية الشريعة ومستشارة سياسية.

مدخل فكري وتاريخي:

موضوع المرأة في مجتمعاتنا الخليجية ذات المكون الثقافي الإسلامي والاجتماعي المحافظ القائم على تقاليد القرية والعشيرة وهيمنة الاسم العائلي الذي يحكم كل أفراد العائلة ويلقي عليهم ثقل الاسم، هو موضوع شائك ولكنه مزدحم بالأوهام التي يرددها بعضنا دون تبصر ولا تفحص تاريخي او مراقبة واعية للتحولات الاجتماعية والاقتصادية الضخمة التي ألمت بالمجتمعات الخليجية ، والمرأة منه، وهي تحولات تستوجب مقاربات أكثر رشاقة ودقة ،تفكك ألغام الأوهام حول دور المرأة وصورتها، كما تزيل الحواجز السرابية التي افلح الخطاب المتوتر في إحاطة موضوع المرأة به.

جوهر الجدل حول مسالة المرأة ، وهي فعلا "مسألة" بذاتها، هو جدل حول هوية المرأة وصورتها ، النزاع هو حول صورة المرأة ، أي امرأة نريد، ولاحظوا أنني أقول "نريد" باعتبار أن صوت المرأة في معركتها كان الى وقت قريب هو الصوت الأضعف رغم أن الجدل والنزاع يقوم على هويتها هي تحديدا،  هذا الجدل الساخن الذي يصل في بعض منعرجاته الحادة الى درجة النبذ والتكفير والتخوين ، قوامه هو الجدل الديني ، فمعسكر الممانعة ضد المرأة يقيم خيمة اعتراضه على ادعاء التعبير عن الحقيقة الدينية التي تريد من المرأة أن تكون كما رسموا لها، وان الرفض الاجتماعي ، الذي يعتدون به جذلين، إنما هو تعبير عن الثقافة الدينية الراسخة الجذور في المجتمع وان هذه التيارات الأصولية ، ومايحف بها من أصوات معادية لتمكين المرأة من الحصول على حقوقها في المجال الاجتماعي والسياسي والاقتصادي والثقافي، بكلمة واحدة: المجال العام،  أن هذه التيارات ليست إلا رجع الصدى لهذه الثقافة الدينية العميقة، فلماذا تريدون بالقسر اقتلاع المرأة من تربة مجتمعها وثقافتها، من اجل "تغريبها" وهي التهمة المزمنة لكل من يتناول مسالة المرأة في المجتمعات الخليجية ، كما هي تهمة لمن ناصر المرأة في مجتمعات عربية اخرى.

هنا دعونا نلقى ضوءا عابرا على حقيقة هذا الادعاء باحتكار صورة  دينية في الخيال التاريخي الإسلامي وفي حقيقة ماجرى للمرأة طيلة 1400 سنة منذ انطلقت دعوة الإسلام من الجزيرة العربية .

المرأة قبل الاسلام :

قبل أن نكمل الحديث بهذا المسار، علينا أن نكون حذرين في إسقاط مفاهمينا الحديثة عن فكرة الحقوق والمجتمع المدني ، وحقوق الأقليات وحقوق المرأة وغيرها على فضاء ثقافي وتاريخي لم تكن هذه المفاهيم فيه من قبيل المفكر فيه، كما يتورط بعض المثقفين حينما يتحدث عن تفسير ظاهرة الرق مثلا ، مع أن الرق كان سلوكا عاديا  في ظل تلك المرحلة من الممارسة السياسية البشرية. لكن في فيما يخص "لب" هذه المفاهيم وهو العدل وعدم الظلم فإننا يمكن أن نفتح على آفاق واسعة للنظر نجد فيها دلائل ولمحات تخبرنا غير الذي يريد محتكرو التأويل للنص والراوية التاريخية أن يوهمونا به.

كانت  امرأة الجزيرة العربية قبل الإسلام ذات حضور متعدد في  المتن الاجتماعي والثقافة الحاكمة فهي من جهة كانت"تتمتع بالحرية التي يتمتع بها الرجل في مجتمع بلا دولة ولا شريعة، لكن حقوقها كانت قليلة، وكانت الجنسوية تحكم عادة الجنسين : التحيز ضد الأنثى العاجزة عن فرض المساواة مع نمو النظام الأبوي وتراجع سلطتها (بسبب، كما يرى بعض  المختصين، انهيار النظام الأمومي السحيق  في الجزيرة العربية الذي بقيت منه بعض البقايا في صورة عادات متسللة من ذلك العهد مثل  حق المرأة بتعديد الرجال كما يتبين من صيغة  نكاح الاستبضاع الذي أشارت إليه أحاديث صحيحة عن أنكحة الجاهلية، وكما يشي بذلك الأسماء الأنثوية للآلهة الجاهلية)، وقد تعقدت كراهية الأنثى بتأثير حالة الغزو السائد في المجتمع الجاهلي بما عكسه القران في الآية ((وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً وَهُوَ كَظِيمٌ{58} يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِن سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلاَ سَاء مَا يَحْكُمُونَ{59}  سورة النحل. (هادي العلوي / فصول عن المرأة / دار الكنوز الادبية ص 18).

كانت امرأة الجزيرة العربية في الجاهلية ورغم الحيف الذي وقع عليها في قضايا الميراث، والزيجات، إلا أنه كان لها حضور بارز في الشعر والكهانة وكانت ذات دور مؤثر في الحروب، ومن ظريف مايروى أن الصاحب بن عباد لما وفد عليه  العالم أبو بكر الخوارزمي واستأذن بالدخول، فقال الصاحب للحاجب:قل له  لا نأذن إلا لمن يحفظ  عشرين ألف بيت من شعر العرب (ويقصد  مرحلة ماقبل الإسلام وصدر الإسلام طبعا) فقال الخوارزمي للحاجب: قل له من شعر الرجال او من شعر النساء!

لكن حضور المرأة العربية لم يقتصر على هذه الصورة ، فنحن نرى من نساء العرب خارج حدود الصحراء العربية من بلغن شأوا عظيما ، وصل ذروته مع الملكة العربية الزباء، او زينب كما تسميها بعض المصادر العربية (العلوي ص24)  التي أقامت أول مملكة عربية  انطلاقا من جنوب سوريا في تدمر ليمتد سلطانها من الفرات إلى البحر المتوسط  ومن صحراء العرب في الجزيرة الى آسيا الصغرى، وتحالفت معها قبائل عربية ضد حكم الرومان، وكانت تتقن عدة لغات سامية كما تتقن القبطية واليونانية، لكنها هزمت آخر الأمر على يد الإمبراطور الروماني اورليانوس، ودامت مملكتها 17 عاما.

المرأة في الإسلام:

جاء الإسلام فكان ثورة شاملة بكل المقاييس، وكان من ضمن مجالات هذه الثورة المرأة حتى أن عمر بن الخطاب كان يقول:"والله إن كنا في الجاهلية ما نعد للنساء أمرا حتى أنزل الله فيهن ما أنزل وقسم لهن ما قسم ". ( صحيح البخاري/ 4629). ووضع الإسلام حدا للاستكثار من الزوجات اكثر من أربع نساء، بينما الحال لدى عرب الجاهلية أن يعدد الرجل مايشاء من الزوجات، ومما يرد في السنة النبوية أن غيلان بن سلمة الثقفي أسلم وتحته عشر نسوة، فقال له النبي: « اختر منهن أربعا »(رواه أحمد في المسند ج2 ، ص 13، وابن ماجه في سننه ج 1، ص 628).

ونهى الإسلام عن تزويج البكر بغير إذنها والثيب بغير أمرها، وساوى الخطاب القرآني بين الذكر والأنثى إلا في أحكام معينة، وكانت الصيغة دوما ترد بـ" المؤمنين والمؤمنات" والصابرين والصابرات، وتنص الآية القرآنية صراحة {فَٱسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنْكُمْ مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىٰ بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ } 195 سورة أل عمران.

بل إن هناك امرأة كان  لها الدور الأساسي في  بداية الدعوة للإسلام ، قبل كل الرجال ، حتى الخلفاء الأربعة، وهي السيدة خديجة التي كانت امرأة مثقفة وتاجرة وذات رأي وعزم، وهي الحضن الرءوم الذي احتضن وساند نبي الإسلام، وكان هناك نسوة ضحين بأنفسهن من اجل الإسلام في بدايته مثل السيدة سمية ام عمار بن ياسر، وكان هناك دائما حول نسوة مساندات بحماس له كما يقول هادي العلوي :" كن يشكلن مايشبه الحاشية النسوية " ومنهن: أم عمارة وام منيع وام عامر الاشهلية وغيرهن.

وغزت النساء في جل غزوات الإسلام وكان لهن دور بارز في الرأي السياسي كما فعلت ام سلمة حينما أشارت على النبي في صلح الحديبية. وكان النبي يسلم على النساء في الطرقات، ويخطب فيهن بالأعياد، بل ويعتاد بيوت أصحابه بحضور النساء. والمجال لايتسع لسرد الوقائع والمرويات الكثيرة في هذا الصدد، ويكفي الاطلاع على موسوعة العلامة الأزهري المرحوم عبد الحليم ابو شقة (تحرير المرأة في عصر الرسالة) لنرى صورة للمرأة في العهد النبوي تختلفت كليا عن الصورة التي يريد الأصوليون وأنصارهم، من بعض جهلة السياسة والإعلام، رسمها للمرأة المسلمة الآن واحتكارها داخل أسوار هذه الصورة الوهمية، فالمرأة ،وفق كتاب الشيخ ابو شقة الحافل بعشرات وعشرات من الأحاديث والروايات ونصوص الفقهاء، امرأة موجودة في الحياة العامة ، تختلط  في كل شيء بشرط الحشمة وعدم الخضوع بالقول، وبشرط عدم الخلوة، فقط هذه الثلاثة شروط هي الواضحة من مجمل النصوص الغزيرة التي دونها  الشيخ ابو شقة، للمفارقة فإن هذا الكتاب الثمين ممنوع من التداول في بعض بلداننا !

بماذا يجادل أعداء حقوق المرأة  المسلمة الحاليين إذن ؟! يجادلون بالتأويل والاحتيال،فهم يفرغون هذه الوقائع والمرويات من محتواها حينما يتدخلون في التأويل والتفسير، وهذا الأمر قديم، اعني إفراغ نصوص العهد الإسلامي الأول  ومروياته عن واقع المرأة، فتجد من يتجرأ بكل وضوح على القول بأن ذلك خاص بنساء العهد النبوي الذي كانت الفضيلة شائعة فيه، وهنا نرى عالما من علماء القرن الثالث الهجري  يقول لنا :" أذن رسول الله للنساء في حضور المسجد، والصواب الآن المنع إلا للعجائز" ! .( ابوحامد الغزالي إحياء علوم الدين / كتاب النكاح، انظر العلوي في كتابه عن المرأة ص33).

مع أن  القران يخبرنا صراحة عن وجود البغاء في مجتمع المدينة { وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَنْ يُكْرِهُّنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ} 33 سورة النور. ويعلل منع النساء من الخضوع بالقول حتى لايطمع الذي في قلبه مرض، والنصوص القاطعة تتحدث عن الزنى والزناة الذين أوقع عليهم الحد في مجتمع المدينة... ولكنه التأويل الظرفي الملتون بثقافة المجتمع، الذي لايجد حرجا من إلغاء نصوص وأحكام طبقا لمزاج المجتمع المتحول.

اذكر في هذا الصدد قصة ظريفة وقعت لي، كنت أتناقش مع شخص من المتوترين ضد المرأة، فقلت له هل تعلم أن الرسول حضر عرس احد  الصحابة مع رفقة من الرجال، وكانت التي تخدم عليهم بيديها هي زوجة الرجل، فدهش وكذب القصة فورا، فجلبت له صحيح مسلم ، وأطلعته على نص حديث أبي أسيد الساعدي  الذي رواه صاحب الصحيح في  صحيحه: حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا عبد العزيز يعني ابن أبي حازم عن أبي حازم عن سهل بن سعد قال دعا أبو أسيد الساعدي رسول الله صلى الله عليه وسلم في عرسه فكانت امرأته يومئذ خادمهم وهي العروس قال سهل تدرون ما سقت رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ أنقعت له تمرات من الليل في تور فلما أكل سقته إياه (صحيح مسلم  / كتاب الاشربة / 2006).

ففغر صاحبي فاه، وقال لي: أنت متأكد أن هذا الكتاب صحيح مسلم ؟ وصحيح مسلم- كما تعلمون-  هو الكتاب الأوثق لدى السنة بعد البخاري،  فأريته الكتاب  من كل جهة  وجلبنا نسخة أخرى، فلم يزد على أن قال لي بكل تصميم: يجب أن لايخبر الناس بهذا الحديث، لأنه ممكن أن يفتنهم!

وهو في هذه الجواب العفوي، لايخرج أبدا عن  عقلية الانتقاء وتقديم المزاج السائد حتى نصوص دينية صريحة ، أسوة بما فعله، للأسف، العقل الفقهي الكبير ابو حامد الغزالي قبله، مع فارق العقول والأزمنة، ولكنها ذات الشكوك والهواجس النفسية، وتقديم التأويل الخاص باعتباره هو النص وليس قراءة النص. وليس من قبيل الصدف أن يكون الغزالي هو الذي قضى على بوادر التفلسف والمنطق  في الحضارة الإسلامية عبر حربه الضروس على الفلسفة في تهافته الشهير، الذي رد عليه بعد ردح من الزمن  العقل الأندلسي الكبير ابن رشد في تهافت التهافت ، والغريب أن الأخير ، اعني ابن رشد، كان له رأي في المرأة ، ليس متقدما على علماء وفقهاء الاسلام وحسب، بل على كل العقل البشري المكتوب  في حينه، بل وبعده بحين، حسب شرحه على جمهورية أفلاطون المسمى(جوامع سياسة أفلاطون) وهو من الكتب  المفقودة في أصلها العربي كما يقول العلامة هادي العلوي، غير أن المستشرق الفرنسي رينان ، ينقل عنه مترجما من اللاتينية الى الفرنسية، واجتهد العلوي في تقريبه، نصا في غاية الأهمية يقول فيه عن المرأة :"تختلف النساء عن الرجال في الدرجة لا في الطبع، وهن أهل لفعل جميع مايفعله الرجال من حرب وفلسفة ونحوهما ولكن على درجة دون درجتهم، ويفقنهم في بعض الأحيان كما في الموسيقى(...) وليس من الممتنع وصولهن إلى الحكم في الجمهورية( يشير إلى جمهورية أفلاطون) اولا يرى أن إناث الكلاب تحرس القطيع كما تحرسه الذكور؟".،
ويعلق العلوي على نصه هنا بالقول عن ابن رشد انه في هذا  يخالف أساتذته من اليونان والمسلمين معا فينكر الفرق الطبيعي بين الرجل والمرأة ويساويها مع الرجل في الكفاءات الذهنية والعلمية، وأما تمثيله  بإناث وذكور قطيع الكلاب فهو جري على ان قانون الطبيعة عنده واحد. (العلوي ص70).

فأين هذا الرأي النافذ الجريء لفقيه وفيلسوف قرطبة من خطب وتشددات الأصوليين في الكويت والسعودية والبحرين وقطر وغيرها من ازدراء المرأة ومحاربة حقها الطبيعي في العمل العام سياسيا كان او غيره ؟ فهل نحن نمضي إلى الخلف؟

بل إننا نقع على نصوص من الصدر الإسلامي الأول لو طالبنا بها كثيرا من فقهاء التشدد الحاليين وتلاميذهم من الأصوليين المسيسين ، لصدرت فتاوى التكفير وحملات الكراهية فورا ، مثل أن الخليفة علي بن أبي طالب قال  لرجل  سأله عن انه تزوج امرأة فوجدها غير عذراء  فقال له علي: إن العذرة تذهب من الوثبة والقفزة والحيض والوضوء ، كما يذكر صاحب كتاب دعائم الإسلام، الداعي الاسماعيلي( العلوي ص19). ويروى عن عمر بن الخطاب انه رفع له ان فتاة زوجت من رجل مسن قسرا فقتلته فنهى عمر عن تزويج الصغيرات.( فصول عن المرأة للعلوي ص91).

هذا فيما يخص النصوص ، اما ماجرى في التاريخ الاسلامي حقا حول المرأة، فهو حتما لا يتلاءم مع مايقوله لنا ومايريده منا دعاة الطهرانية بكبت المرأة ، فأم المؤمنين عائشة كانت تجلس للناس وتفتي وتروي الاحاديث ولها اراء سياسية وفقهية وفكرية خاصة، بل وقادت معركة الجمل ضد علي، وهي احدى المعارك الرئيسة التي شكلت ملامح العهد الاسلامي الاول، واليوم يجلب علينا بالضجيج كثير من المتزمتين حول قيادة المرأة للسيارة الآمنة في الطرقات المراقبة بالمرور والإشارات والكاميرات في السعودية، واخرون مثل الحركة السلفية بالكويت تؤثم التصويت للمرأة مرشحة للبرلمان!

المرأة كانت حاضرة  في متن الحياة السياسية في عهد الصحابة والدولة الأموية، وحاضرة في الفقه والأدب، فهذه الخنساء أشهر شاعرة عربية تقول القصائد الغرر ويتناقلها الرواة والصحابة يملئون الأرض، والنساء يقمن بادوار بارزة في معسكر علي بن ابي طالب ويلقين الخطب  العصماء للتحريض مثل  الزرقاء بنت عدي وبكارة الهلالية وام الخير البارقية وسودة بنت عمارة، كما ينقل عنها ابن طيفور في كتابه بلاغات النساء، بل وتفد احداهن ، وهي سودة بنت عمارة الهمدانية، الى معاوية بعد ان دالت الامور اليه وتجادله وتلح في المطالبة بحقوق قومها ورفع الحيف عنهم وعزل الولي الغشوم بسر بن ارطاة عنهم، أي انها كانت "سفيرة" قومها الى الخليفة !

اين كنا وكيف صرنا حقا ؟!

ويشير العلوي في كتابه الشيق الى انه قد وصلت لنا لوحة للرسام يحيى الواسطي من القرن السابع  تصور امرأة وهي تلقي دروسا على الرجال، وهي مكشوفة الوجه محجبة الشعر .

ويحدثنا التاريخ وكتب التراجم عن عشرات الفقيهات والمحدثات اللواتي كان لهن اسهام واضح في تكوين المتون الفقهية والحديثية والمكتبة الصوفية ايضا مثل رابعة العدوية ومثل المحدثة الشهيرة كريمة المروزية التي تعتبر نسختها لصحيح البخاري من اصح النسخ،  ويحدثنا التاريخ كما يروي بفخر الاستاذ محمود السعدني في كتابه عن "مصر من تاني" ، والكاتبة والباحثة المصرية المتميز سناء البيسي ،عن السيدة نفيسة التي احبها اهل مصر حتى انهم طلبوا من زوجها عدم العودة للحجاز وكانت مقصدا للمظاليم والضعفاء وشاركت بفعالية في الثورة ضد الوالي الغشوم هي والإمام الشافعي اثناء حكم المأمون العباسي، وقد اوصى الشافعي بأن تصلي عليها نفيسة اذا توفي، ويحدثنا التاريخ أيضا عن  فاطمة بنت الأقرع التي كانت خطاطة مشهورة كتبت بيدها  وثيقة الهدنة  بين المسلمين والروم، وتوفيت 480 هـ

بل ويحدثنا التاريخ عن  الفقيه والمنظر السلفي  الأشهر ابن تيمية والعالمة الفاضلة فاطمة بنت عباس ام زينب البغدادية ، فقد كانت الأخيرة تحضر مجالس الشيخ ابن تيمية لتطلب العلم عليه وكان الفقيه الحنبلي يثني عليها ويصفها بالفضيلة والعلم وانها كانت تستحضر كثيرا من المغني وانه كان يستعد لها  بسبب كثرة اسئلتها وسرعة فهمها ( العلوي 69).

ويحدثنا عن المرأة الداهية التي حكمت مصر ثلاثة أشهر وخلصت البلد من أزمة خطيرة بعد وفاة زوجها والعدو الصليبي يهدد مصر، شجرة الدر التي دبرت الحرب والسياسة فكانت أعجوبة لم تتكرر، إلا بعد قرون وفي كبد الجزيرة  العربية على يد البطلة البدوية غالية البقمية او غالية الوهابية التي صدت حملات  جيش محمد علي باشا مهزوما على  مشارف بلدتها تربة، وردت ابنه القائد طوسون باشا مهزوما !

والآن الخليج والجزيرة:

من المثال الأخير الذي ذكرناه وهو مثال المرأة المدبرة الحازمة غالية الوهابية ندلف إلى حديث التاريخ القريب والمعاصر حول المرأة الخليجية كما نسميها الآن، أو امرأة الجزيرة العربية كما هو معروف.

الحق أن التهويش بأن دخول المرأة الخليجية  للمعترك العام وإسهامها في الشأن السياسي والاجتماعي هو أمر "دخيل" علينا وعلى عاداتنا وأن بقاء المرأة عنصرا عاطلا إلا للإنجاب والإرضاع وربما الرعي والزرع، في العهد القريب، هذا الحديث هو الحديث الدخيل حقا على مجريات  التاريخ المحلي.

فامرأة الخليج اليوم لاتفعل شيئا جديدا ومبتكرا إن هي نشطت في الشأن العام أو حصلت تعليما أو حتى شاركت بأدب وفن وثقافة ، فجدتها الخليجية من البحر الأحمر الى الخليج العربي ومن بحر عمان وخليج عدن الى سهول الشام وبطائح العراق كانت فاعلة وليست سلبية، صحيح انها كانت تفعل ذلك بطريقتها ولغة ومواضعات عصرها، الا انها ابدا لم تكن كائنا سليب الارداة والهمة والفعل.

وتحدثنا الدكتورة السعودية دلال الحربي في كتابها الجميل " نساء شهيرات من نجد" الذي اصدرته دارة الملك عبد العزيز اثنتين وخمسين امرأة من اللاتي عشن في نجد في الفترات السابقة وكان لهن تأثير في مجتمعاتهن في تلك الفترات، وتقتصر حدود هذا الكتاب مكانياَ على منطقة نجد، وزمانياً على الفترة ما بين بداية القرن الثاني عشر الهجري(الثامن عشر الميلادي) ووفاة الملك عبدالعزيز  عام 1373هـ. وقد اعتمدت المؤلفة على مصادر متنوعة في جمع مادة هذا الكتاب، وهي: الكتب والمقالات المنشورة، والمحفوظات، والوثائق، بالإضافة إلى الروايات الشفهية التي كان لها دور كبير في إثراء مادة هذا الكتاب.( كما في تعريف الدارة بكتاب المؤلفة).

وقد قرأت عن سيدات قمن باداور عامة مميزة في  عمق المجتمع النجدي فمنهن من اشرفت على وقف الكتب على طلبة العلم  ومنهن من شاركت في التدبير السياسي  وصناعة القرار، ومنهن من  فتحت بيتها للاسرى وساهمت بمالها في علاج المجاعات العامة، ولن اذكر اسماء محددة، لكن الكتاب جدير بالقراءة حتى نطلع على صورة حية ونشطة للمرأة  ابنة وسط الجزيرة العربية في تلك الأوقات .

وأذكر مثالا ظريفا ربما، فروايات الشعر الشعبي والتاريخ المحكي تحدثنا عن سيدة قوية مقتدرة صاحبة موهبة شعرية فذة، ومخالفة للمألوف شاركت بقصائدها مثل الرجل، في جل الأحداث العامة في وقتها، وكان لها قصائد مؤثرة في محيطها ، بل وصل خبرها الى الامام فيصل بن تركي( توفي 1282 هـ)  وانها تغني الأشعار، فأرسل لها خادما له يقال له سلامة ، وأمره بتأديبها وضربها لتنتهي عن الشعر الطيار هذا ، فما كان منها بعد اخذ وجبة الضرب هذه إلا أن تخلص لنداء الإبداع فيها ، وتعود للشعر من جديد ، فتقول وهي تسمع هديل حمامة على شجرة :

ياسعد عينك بالطـرب يالحمامـة/ ياللي على خضر الجرايـد تغنيـن
عزي لحالك وان درى بك سلامـة / خـلاك مثلـي يالحمامـة تونيـن
كسر عظامـي كسـر الله عظامـه /شوفي مضارب شوحطه بالحجاجين .

جان دارك الجزيرة العربية !:

أما غالية الوهابية البقمية او الوهابية كما في المصادر الأجنبية فقد كانت فعلا شجر الدر الثانية، ولكن الاولى كانت تركمانية مسلمة  في مصر، والثانية عربية مسلمة في عمق الجزيرة العربية، في بلدتها تربة مقر قومها من البقوم على مشارف نجد.

تقول المصادر المتعددة ان غالية البدرية البقمية، زوجة حمد بن عبدالله بن محي، عامل الدولة السعودية الأولى على مدينة تربة البقوم في غرب الجزيرة العربية (السعودية حالياً). لعبت دوراً في مواجهة القوات المصرية التي أرسلها محمد علي باشا، والي مصر من قبل العثمانيين، إلى الجزيرة العربية للقضاء على الدولة السعودية و الحركة الوهابية، و ذلك في أوائل القرن التاسع عشر الميلادي (الثالث عشر الهجري). واخفت نبأ وفاة زوجها بعد ان شارف جيش طوسون باشا على البلدة  وبلغت الرجال خطة الحرب على لسان زوجها، حتى بعد  توفي وهي تخفي خبر موته حتى لاتنهار عزيمة الجنود، وفتحت خزائن المال والسلاح والطعام وأسرت من أسرت وحاربت من حاربت وانتصرت في المعركة، وهي تراسل مقر الحكم في الدرعية الذي ارسل لها المعونات العسكرية، وذهل منها جنود الجيش الغازي حتى شاع بينهم انها ساحرة او تملك قوة خارقة ، وشبهها الفرنسيون ببطلتهم جان دارك ، وقال عنها الرحالة السويسري بوركهاردت، الذي زار المنطقة في تلك الفترة:"أرملة تسمى غالية، كان زوجها أحد زعماء تربة، وكانت لديها ثروة تفوق ما لدى أية أسرة عربية في منطقتها. فأخذت توزع نقودا ً ومؤنا ً على فقراء قبيلتها الذين كانوا على استعداد لقتال الأتراك.

وكانت مائدتها دائما ً معدة لكل الوهابيين المخلصين الذين يعقد زعماؤهم مجالسهم في بيتها. وبما أن هذه السيدة الكبيرة كانت مشهورة بسداد الرأي والمعرفة الدقيقة بأمور القبائل المحيطة بها فإن صوتها لم يكن مسموعا ً في تلك المجالس فقط، وإنما كان هو المتبنى بصفة عامة. وقد ذاع اسم غالية في كل البلاد منذ الهزيمة الأولى لمصطفى بك قرب تربة. وسرعان ما ضاعف مخاوف الجنود الأتراك منها نفوذها وأهميتها، و رووا أسخف القصص عن قواها بصفتها ساحرة تغدق أفضالها الشخصية على كل القادة الوهابيين الذين أصبحوا بوسائلها لا يغلبون! وقد ثبطت تلك الروايات همم العثمانيين، وزادت من ثقة البدو بأنفسهم، وبذلك أسهمت كثيرا ً في إنزال الفشل بحملة طوسون باشا." ( من مقالة الباحث خالد بن نوار البدري في  موسوعة وكيبيديا).

ويحدثني المؤرخ السعودي الدكتور محمد ال زلفة عن انه يقوم على ترجمة مذكرات جندي ايطالي، نعم ايطالي !  اسمه ( جيوفاني فيناتي) كان مشاركا في حملة الباشا هذه على نجد، وانه مكث في تربة، بلدة غالية ستة اشهر، وانه كتب الاعاجيب عن غالية، ويعتقد الدكتور ال زلفة ان كتابة الجندي الايطالي هذه هي المصدر الاساس لبوركهارت وكل الغربيين الذين كتبوا عن غالية.

وكانت السيدة موضي بنت وهطان، زوجة الإمام محمد بن سعود ، مؤسس الدولة السعودية الأولى(توفي 1179 هـ/1765 ) ذات رأي مؤثر في تشجيع زوجها على احتضان الشيخ محمد بن عبد الوهاب وانطلاقة الدعوة والدولة ، كما يذكر المؤرخ الأشهر عثمان بن بشر في كتابه عنوان المجد في تاريخ نجد.

وإذا ما قفزنا على بعض المحطات التاريخية وصولا إلى العصر الحديث للمرأة الخليجية الذي انطلق مع انطلاق حركات التحرر الوطني وقيام الدول الحديثة خصوصا بعد انقشاع الوصاية البريطانية عن الخليج، وبعد انتهاء الحربين العالميتين الأولى والثانية وقيام مايسمى بعصر النهضة العربي، مع تلاشي البنى التعليمية والاقتصادية والسياسية القديمة القائمة على الكتاتيب وصيد اللؤلؤ او تجارة الابل والرعي والزرع او نظام الامارة/ العشيرة، ومع بداية ظهور الآثار المباشرة للنظام التعليمي الحديث والصحافة العربية التي كانت تنطلق من القاهرة وبيروت وبغداد لتصل إلى إمارات الخليج المائية والصحراوية ،باختصار: بعد انتهاء مرحلة تقليدية قديمة وقيام مرحلة جديدة بدأت تهب رياحها على المنطقة حاملة معها مفاهيم جديدة حول التحرر والتحديث ، بعد هذا كله نشأت تحديات جديدة أمام المرأة الخليجية ونشأ معها ممانعات أكبر وأعند، ولكن كيف كان دور المرأة وكيف أفلحت في اقتحام أسوار المدرسة الحديثة والجامعة الغريبة وعالم الصحافة والأدب والفن والسياسة والعمل المدني العام...

صباح المرأة الخليجية: الكويت والبحرين والسعودية نموذجا:

لقد كانت قصة حافلة بالكثير من الصعاب ومازالت.

لنبدأ بالكويت ثم البحرين فالسعودية لنر كيف خرجت المرأة من عنق الزجاجة هنا وهنا وهناك..

الكويت:

 
تعتبر دوما ابرز وأكثر الساحات الخليجية شفافية وتأثرا بالمتغيرات السياسية والاجتماعية والثقافية، وقد احتلت المرأة الكويتية مكانة بارزة في متن هذه التغييرات والتحولات، كلنا نعلم أن المسيرة الحديثة للإصلاح الاجتماعي والسياسي في الكويت، بدأت في مرحلة مبكرة في هذه الإمارة، ولكنها أفصحت عن نفسها منذ ازدياد الوعي الشعبي بالمشاركة السياسية ووجوب تحديث الدولة والمجتمع.

ولعل من أولى المعارك التي خاضتها المرأة الكويتية معركة التعليم الحديث، وهي تقريبا معركة مشتركة مع شقيقاتها الخليجيات الأخريات، وكان لرجال الإصلاح والتنوير دور بارز في مساندة مسيرة المرأة، وقد دارت جولات ساحنة من الصراع الفكري والنقدي بين المستريبين من تطور دور المرأة و أنصار المرأة والتحديث،  فنجد رجلا من ابرز أنصار الدستور والتحديث في الكويت، وهو السيد جاسم القطامي ، يكتب  في عام 1948 مقالا في مجلة البعثة بعنوان "بعثة البنات كيف نريدها"؟ مدافعا فيه عن ابتعاث الطالبات الكويتيات لتلقي العلوم الحديثة في مصر ويرد على احد الممانعين وهو عبد الله حسين مطمئنا مخاوفه من مردود سياسة الابتعاث للطالبات وانه يجب ان نثق بهن فهن اهل للثقة ثم ان الكويت محتاجة للكفاءات الكويتية النسائية، مركزا بطبيعة الحال على شدة الاحتياج لهن في مجال الطب والتمريض ، ويستدل بالمثل الانجيلزي الذي يقول:" انصاف المتعلمين اخطر من الجهلة"!.

ونجد مقالا آخر لرجل من انصار تعليم المرأة في الكويت وهو عبد العزيز الغربللي نشره مجلة البعثة ايضا سنة 1949 بعنوان :"رفقا بربات الخدور" ، مفتتحا مقاله بهذه العبارة :"من المؤسف حقا ان نقول بأن البعض من ابناء هذ الوطن لايرى في المرأة الا شيئا تافها لاقيمة له في الحياة "، ويقول في موضع اخر من المقال :" إما ان نثور في وجه المرأة  ونشعرها بأن لاوجود لها في الحياة ، فنقتل فيها روح الحياة واليقظة والتحرر فهذا امر لايقره عدل ولا إنصاف". (كتاب حقول المعني بثقافة الجزيرة العربية / عدد 5 / شهر سبتمبر 2007 ص76، و77).

وكانت سيدة مثل لولوة القطامي نتاج هذه المرحلة الخصبة من تاريخ الكويت  فكانت أول من سافر الى بريطانيا في بعثة تعليمية سنة 1952، واول مدرسة لغات اجنبية بالمرحلة الثانوية 1960، وهي مؤسسة ورئيسة الجمعية الثقافية الاجتماعية النسائية والأمينة العامة المساعدة  للشؤون الداخلية  بالاتحاد النسائي  العربي العام، وتكتب سيرتها الحافلة والمعبرة عن مسيرة المرأة الكويتية في المجال العام، تكتب سيرتها بعنوان معبر هو "ابنة النوخذة" تعني والدها، اذ تقول عنه لبراء الغنام  في كتاب حقول( ص 94) :" لولا بصيرة الوالد  واحترامه لأهمية العلم والقيم في حياة الإنسان لما خرجت الى خارج الحدود، فهذا الفضل يعود الى والدي ووالدتي". 

ولنا ان نتخيل وعي ونضج هذا " النوخذة " الكويتي الذي يرسل ابنته للدراسة في بريطانيا سنة 1952 وهو ابن الجزيرة العربية والمجتمع الكويتي المحافظ، ثم نقارن ذلك بمدى الضيق الذي يبديه كثير من الآباء الذين هم ربما في سن احفاد النوخذة القطامي هذه الايام ، امام رغبات بناتهم او زوجاتهم او اخواتهم في العلم والعمل العام، ثم ندرك مدى التصحر وجفاف النفس والعقل الذي أصاب مجتمعاتنا.

غير ان معسكرات المحافظة والتزمت لم تترك الأمور للمرأة سهلة فعوقت كل خطوة الى الامام ووضعت امامها العراقيل، فرغم ان دستور الكويت  الذي كان لافتا في سماحته ومدى السلطة التي منحها للشعب ، دون تفريق، الا ان الرجل وقف حائلا امام حصول المرأة على حقها في ممارسة العمل النيابي او حتى حق التصويت للمرشح النيابي منذ 1963 الى 2005 .

المرأة الكويتية حصلت على حقها أخيرا في الترشح والتصويت نيابيا ، إلا أن ذلك تم بعد كفاح طويل قادته المرأة الكويتية ، وكانت نورية السداني هي  عنوان هذا الكفاح، فهذه السيدة المثقفة سجلت بصمتها التاريخية في مسيرة الكويتية،فهي أول من قدم عريضة احتجاج إلى مجلس الأمة الكويتي 1971  تطالب بحقوق المرأة السياسية، لكن مجلس الرجال خيب أملها ، وظلت تكافح وتكافح وأسعفها القدر بأن ظلت تتنفس حتى رأت قطاف الثمر في السنوات القليلة ، ولم تتوقف جهودها الحقوقية لصالح الكويت كلها، فبعد حل مجلس الأمة الأخير بسبب التأزم بين الحكومة والمجلس، وتفجر النقاش حول مستقبل الحياة النيابية في الكويت، أطلقت السداني مع اخرين فكرة مؤتمر تآزر كحراك اهلي يدعم تعزيز الدستور وتجديد القيم الكويتية الديمقراطية، وكانت هي السيدة الاولى على سدة المنصة لمؤتمر تآزر كما شاهدتها  مؤخرا في الكويت، لم تيأس هذه السيدة منذ أن أسست أول  أول جمعية نسائية  في الكويت هي جمعية النهضة 1962 حتى يوم مؤتمر تآزر الذي قادته، وهي المرأة، ليكون حراكا لكل الشعب وليس للمرأة وحدها ، انها حقا تلخص مسيرة طويلة من الجلد والصبر.

الغريب أن منح  المرأة الكويتية حقوقها السياسية لم يتم من خلال مجلس الأمة ، ابتداء، بل من خلال رغبة أميرية ، للراحل الشيخ جابر الاحمد الصباح  في مايو 1999، أي قبل موجة 11 سبتمبر بسنتين، لكن مجلس الأمة لما انعقد أحبط هذه الرغبة، والغريب انه كان هناك من يحسبون على الانفتاح من النواب عارضوا الرغبة هذه!وفي يناير 2001 رفضت المحكمة الدستورية في الكويت دعوى قضائية تطالب بمنح المرأة حقوقا سياسية كاملة تسمح لها بالانتخاب والترشيح لعضوية البرلمان، وردت المحكمة وهي أعلى هيئة قضائية في الكويت الدعوى دون إبداء الأسباب. واتهم المدعي  حينها الإسلاميين بالسيطرة على الحكومة، وعرقلة محاولات منح المرأة حقوقها السياسية.وكانت المحكمة قد رفضت في العام 1999 أربع قضايا مرفوعة من قبل كويتيات يعترضن على النظام الانتخابي الذي يحرم المرأة من الإدلاء بصوتها أو ترشيح نفسها لخوض الانتخابات البرلمانية في الدولة الوحيدة من دول الخليج العربية التي لها برلمان منتخب.

وكانت حجة الرافضين من الإسلاميين ومن معهم من المحافظين حينها  حتى جلسة اقرار الحقوق السياسية لها 2005،هي ان دخول المرأة للبرلمان او حتى تصويتها يعني انها قد تولت ولاية عامة، وهو امر محرم شرعا عندهم، حسبما صرح فهد الخنة منسق كتلة الاسلاميين في البرلمان سنة 2005، رغم الجدل الطويل العريض حول مفهوم الولاية العامة للمرأة وحول تكييفه الفقهي ،اولا: حول حديث لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة ، هل هو تعليق على حادثة سياسية معينة في وقت الرسول عن الفرس، ام هي تقرير لحكم شرعي دائم، ورغم الجدل على كون عضوية البرلمان  تعني الولاية العامة، ناهيك من التصويت، ورغم ان حركات اسلامية اخرى ادخلت المرأة معها في الحياة النيابية مثل اخوان الاردن ومصر، الا أن الإسلاميين حينها شددوا وصعدوا واتهموا الآخرين بالمروق والعلمانية، وها نحن نرى الإسلاميين في الكويت اليوم يغازلون المرأة سياسيا ولايبدون تلك المعارضة بعد نضج الشارع وإصرار المرأة على التحدي، فهل كان حرام الامس حراما سياسيا متحولا ام دينيا مبدئيا ثابتا ؟!

البحرين:

اما في البحرين فقد سجلت المرأة سطورا من الكفاح في مسيرتها ، وتحدثنا الباحثة البحرينية الدكتورة سبيكة النجار عن أن التعليم الحديث لعب دورا بارزا في ظهور حركة المرأة في البحرين وتمثلت بدايته في ازدياد وعي المرأة  بذاتها  ومحاولتها الخروج على الوضع الذي فرضته عليها الأعراف والتقاليد ، كما لعبت الصحافة دورها في هذا الصدد، وأخيرا لعبت الجاليات العربية والاحتكاك بها دورها ايضا في تكوين وعي المرأة البحرينية بذاتها.


وتخبرنا النجار عن ردود الفعل المعادية التي رافقت إنشاء نادي البحرين للسيدات 1953 برئاسة الليدي بلجريف زوجة المستشار البريطاني وشارك فيه سيدات بحرينيات مثل عائشة يتيم  وسلوى العمران وكان النادي يهدف إلى مساعدة الفقراء وتعليم النساء، المحتاجات ،مهارات مثل الخياطة والطبخ، وتخبرنا عن هجوم مجموعات مرتابة من على منابر المساجد وصفحات الجرائد ، وقالت حينها جمعية أسمت نفسها (جماعة  الدعوة إلى الإسلام ) إن هذا النادي من المنكر ونص بيان هذه الجماعة على :" قاطعوا هذا المنكر ، وأعلنوا الحرب على القائمين  والقائمات بأمره، واقتلوه في مهده قبل أن يرى النور ، وإلا فالويل لنا ثم الويل لنا جميعا ".( كتاب حقول ص 20 ).

وكان هناك فريق آخر عادى هذا النادي لكن ليس من منطلق الأعراف والعادات والتشدد الديني بل من منطلق سياسي وطني وهو رفض تجمع تقوم عليه زوجة مستشار الاحتلال البريطاني ، فطالب  عبد الرحمن الباكر احد زعماء هذا التيار المناهض للوجود البريطاني بإنشاء جمعية نسائية  على غرار الجمعيات النسائية  في بلاد الشام ومصر، فكان الحل بإنشاء جمعية نهضة فتاة البحرين 1955. وتشير سبيكة النجار الى اقتصار دور هذه الجمعيات على العمل الخيري البحت وتركز بنات الطبقة الغنية فيها ، لكن جمعية "أوال النسائية" كانت عنوانا واضحا وجديدا للعمل من اجل تحصيل وتثبت حقوق المرأة السياسية وشاركتها في ذلك جمعية الرفاع الثقافية الخيرية  وجمعية نهضة فتاة البحرين.

وفي 1973 تصدت عضوات جمعيات أوال والنهضة والرفاع  لأطروحات التيار الديني حول الاختلاط في الأماكن العامة ومنع  المدرسات من تدريس الأطفال الذكور في الابتدائية. كما كان لهذه الجمعيات النسائية دورا في دعم حقوق المرأة العاملة، كما كافحت طويلا في سبيل إقرار  قانون للأحوال الشخصية ، وكان لهذا القانون الذي تحقق بعد فترة طويلة ، أثره في تجميد قرار تنفيذ حكم الطاعة بقوة الشرطة والحد من الطلاق التعسفي وعدم قبول الطلاق إلا أمام قاض. وتخبرنا الدكتورة النجار عن أن القاعدة الشعبية العريضة الآن هي للجمعيات النسائية المتفرعة من الحركات الدينية وانحسر كثيرا إشعاع الحركة التنويرية النسائية الاول، واقتصر دور الجمعيات النسائية الشعبية الدينية على بعض الأنشطة الخيرية او الدعوية العادية ( كتاب حقول 22، 23).

السعودية:

في السعودية تبدو الصورة مركبة وغنية نوعا ما، فنحن نتحدث عن بلد شاسع يتكون من أقاليم كبيرة وفيه تعددية ثقافية واجتماعية خصبة، عكس مايتوهم الغرباء عن الصورة السعودية الصماء، يكفي أن نعلم أن رجلا مثل الأديب احمد السباعي كتب مقالا  بعنوان "الأدب النسوي في الحجاز" في جريدة صوت الحجاز في 21 مايو 1934 عن أديبة آثرت إخفاء اسمها وهي تحمل الكثير من العلم والثقافة ، ويقول على لسانها ان هذه السيدة المثقفة سألت نفسها بعدما نهلت من الكتب وقفز وعيها فتقول:"  لا ادري ماذا عن  بني وبنات جنسي، أيسمونني شاذة ويصمونني بالخروج مادمت احتفظ برأي الحجاب على أن تتعلم المرأة".

وفي نفس العدد يكتب السباعي ردا على رئيس تحرير صوت الحجاز محمد علي رضا الذي كان  ضد فتح مدارس للبنات بدعوى أن بيت المرأة أصون لها ، وحجة السباعي   أن تعليم المرأة ليس مدعاة لفسادها، ويخرج السباعي كتابه (وحي الصحراء) سنة 1936 حاويا مجموعة مقالات له ، ومنها مقال بعنوان: "حاجتنا الى تعليم البنات".

وقبله يكتب محمد راسم مقالة في صوت الحجاز 1933، مؤيدا حق المرأة في التعلم ومشجعا عليه خاتما بقوله:" أين هي حياة العلم من حياة الجهل".

وفي جريدة أخبار الظهران التي كانت تصدر من شرق السعودية نجد الأديب والمثقف السعودي عبد الكريم الجهيمان يكتب مقالا سنة 1955 بعنوان : نصفنا الآخر ، نشره وقتها باسم مستعار هو  البصير ثم عاد بعد سنوات ونشرها باسمه الصريح وسببت له هذه المقالة مشكلات معروفة، ومما جاء فيها :" لانزال نرى كثيرا من مواطنينا يتهيبون من تعليم بناتهم ويذهبون في تهيبهم هذا إلى حالات هي اقرب إلى الخيال منها الى الحقيقة ويتركون بناتهم أشبه ماتكون بالببغاء". ومثله كتب  الأستاذ سعد البواردي  في العدد السادس من مجلته مجلة الاشعاع التي كانت تصدر من الاخبار واسسها هو 1956 .

وفي إقليم نجد اصوات قوية في معركة تعليم البنات ، واللافت ان الاصوات الصادحة هذه بحق المرأة في التعليم كانت موقعة باسماء بنات وسيدات، فنجدها موقعة من قبل "لجنة  الأدب والتأليف لطالبات المدرسة السعودية بآل سويلم (حي قديم في الرياض) نشرنه في جريدة القصيم التي يحوي أرشيفها سجلا ناصعا لمعركة تعليم البنات في السعودية، تلك الطالبات نشرن مقالهن  في زاوية : حواء تتكلم ، في العدد 21 سنة 1960 يؤيدن الملك سعود في سياسته حول تعليم البنات التي لاقت معارضة من قبل المحافظين ويلقبنه بملك الديمقراطية، هذه المقالة موقعة  بأسماء مثل : الجوهرة آل معمر وهيا الراشد ومنير الجبر وجوهرة العجاجي ولطيفة آل مساعد، وفي العدد 26 سنة 1960 يأتي في كلمة جريدة القصيم  مقالة بعنوان تعليم البنت:" تحققت الفكرة التي طالما دعا إليها المفكرون وبحثها الباحثون وهي تعليم البنت، وتحطمت تلك الأوهام والمخاوف التي كانت تقف عقبة كأداء في سبيل تثقيف الأمة".

ويرد مقال في جريدة القصيم  في العدد 107 سنة 1962 للشاعرة والكاتبة سارة ابو حيمد بعنوان: لاتمنعوا العلم عن فتياتكم.

معركة تعليم البنات التي خاضها الملك سعود بداية، ثم الملك فيصل بكل قوة وتصميم، كانت معركة شرسة تجاه أعداء التطور، والمفارقة ان كثيرا ممن كانوا ابرز المعارضين  درست بناتهم ودرسن في سلك التعليم لاحقا، وكان للمرأة السعودية ومعها شقيقها الرجل صوت رفيع في هذه المعركة ، من هذه الأصوات سيدات مثل شريفة الدرعان وجيهان الاموي وجوهرة المعمر وحصة الدبيخي وحصة السدحان وسارة ابوحيمد واسيمة درويش وهدى الدباغ ونوال اسقاف وغيرهن (للتوسع بحث محمد عبد الرزاق القشعمي في كتاب حقول الخامس ). وايضا كتاب( فتنة القول بتعليم البنات لعبد الله الوشمي).

معركة تعليم البنات هي ابرز محطات المرأة السعودية التي تم خوضها بجرأة وتعتبر مكسبا ثابتا للمرأة اخترق حواجز التشدد والثقافة الانغلاقية وتم بدعم سياسي واضح، ويجب هنا تذكر سيدة عظيمة كان لها دور اساسي في معركة تعليم البنات، وهي الاميرة عفت زوجة الملك فيصل، فقد كانت هذه السيدة العاقلة مؤمنة اشد الايمان باهمية تعليم الفتاة والارتقاء بالمرأة، وهي بحق رائدة تعليم البنات، تذكر عنها  حدى السيدات اللواتي عملن مع الاميرة عفت في بداية تعليم البنات وهي مديرة دار الحنان سيسيل رشدي، ودار الحنان مدرسة بنات اسستها عفت ، ثم ادارتها الاستاذة سيسل رشدي وتحدثت سيسيل، مؤخرا ضمن فعاليات معرض الفيصل شاهدا وشهيد، في مدينة جدة  عن رحلتها مع دار الحنان، بعد تخرجها من الجامعة الأمريكية بمصر. فحين جاءت المملكة جمعتها الصدفة بالأميرة عفت الثنيان، حرم ولي العهد (آنذاك) الأمير فيصل بن عبد العزيز، وأقامت معها لعشر سنوات. وولدت في ذلك الحين فكرة الأميرة عفت بتأسيس دار لرعاية وتدريس اليتيمات والمحتاجات، فتأسست مدارس دار الحنان عام 1955- 1375. وقد تولت الإدارة مفيدة الدباغ ثم سيسيل رشدي.

وكان نجاح مدارس الحنان، كما تقول سيسيل رشدي، خطوة شجعت الدولة على إنشاء مدارس البنات الحكومية. وكشفت سيسل أنه طالما حلمت الأميرة عفت بأن تمضي مع آمال طالباتها إلى المرحلة الجامعية وتجسد حلمها فيما بعد في مشروع " كلية عفت " التي سعدت بقيامها قبل وفاتها.

وهذا الامر الاخير حول حلم الاميرة عفت بإنشاء كلية او جامعة للبنات، ولنا ان نستذكر الوقت والظرف الذي كان عفت تحلم فيه هذا الحلم الجميل، هذا الحلم أشارت إليه أيضا إحدى  الكاتبات السعوديات، وهي جهير المساعد التي كتبت في ( عكاظ 13 مايو 2009) تشير  الى انها في اول حديث صحافي مع الاميرة عفت، والتي أسمتها بأم كل البنات السعوديات، وكان الحديث بتاريخ 22 /4/ 1396 هـ ان عفت قالت لها بالحرف الواحد:" أتمنى أن أراك أنت وأخواتك السعوديات في جامعة للبنات".

لقد كانت قضية تعليم البنات تعليما نظاميا  ملحمة مثيرة بكل فصولها في السعودية، وقطعت الفتاة السعودية مشوارا طويلا من فتح مدرسة في بريدة او الزلفي بحماية القوات الامنية، الى افتتاح جامعة كبرى للبنات، يقرر الملك عبد الله تغيير اسمها في اللحظات الاخيرة من جامعة الملك عبد الله الى جامعة الاميرة نورة بنت عبدالرحمن للبنات، تقديرا لقيمة ودور شقيقة المؤسس الملك عبد العزيز التي كانت  سيدة قوية ومؤثرة في اكثر من مجال.

ولكن بعد هذه المعركة الضخمة لم يحدث تحول كبير في مسيرة المرأة، صحيح انه تم انشاء جمعيات نسائية مثل جمعية النهضة التي قامت عليها  حرم الملك فيصل الاميرة عفت ، ثم بناتها من بعدها مع بعض الاميرات والسيدات السعوديات ، الا ان انشطة هذه الجمعيات ظلت مقتصرة على العمل الخيري العام ، ولم يخرج عن هذا الإطار كما تخبر  كاتب هذه الورقة احدى السيدات السعوديات الخبيرات في الجمعيات النسائية.

ظلت مسالة المرأة خامدة حتى اشتعلت مرة أخرى بعد قيام حوالي 47 سيدة سعودية من المثقفات والناشطات في 6 نوفمبر 1990 في أجواء حرب الخليج الثانية بقيادة سياراتهن في شوارع الرياض واختراق المنع العرفي المفروض عليهن، وحينها اندلعت معركة فكرية وإعلامية واجتماعية كبرى أعادت طرح مسالة المرأة ودورها مجددا ، صحيح ان  الامر ظل في حدود حركة انفرادية واحدة ، ولكن أثر هذه الحركة في خض المياه الراكدة كان عظيما ، حتى أصبح كثير من الناشطات السعوديات يستذكرن هذا اليوم كمحطة أساسية في مسيرة المرأة السعودية، كان العدو الأول للمرأة ومن يسانده حينها هم الإسلاميون او التيار الصحوي حسب التسمية الدارجة في  لغة المثقف السعودي.

ظل الحال هكذا من مطلع التسعينات حتى تولي الملك عبد الله مقاليد الحكم 2005 ، وحينها انتعشت آمال النساء ومساندي حقوقهن بعد ان ابدى الملك عبدلله جملة من الخطوات المنفتحة على حقوق المرأة ، وكان لافتا  الاستقبال العلني لمجموعة من المثقفات والاكادديميات والتربويات في ديوان الملك والاستماع اليهن، ثم شاركت المراة بفعالية في جولات الحوار الوطني ، واخذ الملك عبد الله معه وفدا نسائيا من ذوات الخبرة اثناء جولته الآسيوية، وكانت الذروة في تعيين الملك عبد الله لأول امرأة في منصب نائب وزير ، ماشكل إحباطا للمتزمتين، وطالبوا علنان عبر بيانات موقعة بالغاء هذه الخطوة، كما طالبوا من قبل بالغاء خطوة دمج رئاسة تعليم البنات بوزارة التربية والتعليم ومارسوا التحريض على هذه الخطوات الانفراجة بوصفها تغريبا للبلد، بل طالب احد رموز الإسلاميين المشاهير وهو الدكتور سفر الحوالي علنا في فضائية الجزيرة بالغاء دمج رئاسة تعليم البنات بوزراة التعليم كمقدمة ضرورية لانجاح جهود الوساطة مع شبان القاعدة !

وبعد :

كيف نتخلص من معيقي تقدم المرأة في الخليج؟ ببساطة بأن نستعيد روح الأربعينات الخمسينات والستينات، يوم كانت المجتمعات الخليجية تقبل بثقة وتصميم على التنوير والتقدم ويوم كان هناك رجال  ثقافة وصحافة وفكر وسياسة يتقدمون الصفوف في مناصرة حقوق المرأة، ويوم كانت المرأة مثل : نورية السداني ولولوة القطامي في الكويت، وعائشة تميم في البحرين، وسارة ابو حيمد وسميرة خاشقجي في السعودية، وفي قطر وعمان واليمن يقدمن النماذج العملية للنجاح ويتشبثن ، من خلال عملهن واعتدالهن ، بحقوق اقرها الاسلام واستدعتها تقلبات الايام وتحولات الزمان والمكان.

يبقى ان يقال ان معارضات الاصوليين الدينيين الحاليين هي امتداد لمعارضات  اسلافهم المتشددين، وسبيل اضعافها هو ذات السبيل الذي سلكه تنويرو الماضي، وهو النقد المضاد وتفكيك الحجج من خلال  تقديم طرح فقهي بديل، ثم من خلال تشجيع السلطة السياسية على تبني رؤية وطنية شاملة للتنمية وعدم الذعر من اصوات المتشددين لأنه لو تم الإصغاء لهم في الماضي لما اصحبنا مانحن عليه ولما وصلت المرأة الخليجية إلى أن تكون طبيية ماهرة مثل الدكتورة حياة سندي او سلوى الهزاع او خولة الكريع او اقتصادية  مقتدرة مثل ناهد الدباغ  او مها الغنيم او وزيرة ناجحة مثل لبنى القاسمي او سيدة اعمال مرموقة مثل لبنى العليان او مهندسة مجيدة مثل منار الحشاش او  وزيرة مثقفة مثل مي الخليفة.

أهون ما في معوقات الحرية والحقوق للمرأة الخليجية هو خطاب التشدد الديني ، لأن لدينا تراثا مضادا لهم من نصوص وتأويلات ، ننهلها من معين حضارتنا الصافية، لكن الصعب هو توفر الإرادة المجتمعية العامة، وتحرك صاحب القرار السياسي بشكل حازم ، والأهم اقتناع المرأة نفسها بجدوى معركتها العادلة.

مخارج :

وهنا اسمحوا لي في الختام بأن نوجز المخارج التي نقترحها لمشكلة المرأة الخليجية تجاه حقوقها السياسية والحقوق العامة:

أولا:  المرأة والرجل سواء في الحقوق والواجبات ، باعتبار حق المواطنية لايقوم على اساس جنسوي من ذكورة وأنوثة، ولايوجد نص ، حسب علمي، في دساتير او انظمة الحكم التي تقوم عليها الدول الخليجية ينص على حرمان المرأة من حقوقها السياسية وحقوقها الأخرى أسوة بالرجل، وهذا من الأشياء التي استندت إليها الحركة المطلبية النسائية في خطابها، كما في خطاب السيدة نورية السداني من أواسط السبعينات في الكويت حول حق المرأة في ممارسة العمل النيابي ناخبة ومرشحة. وعليه يجب إبراز هذا الجانب كثيرا في نسيج الخطاب التوعوي العام للمجتمع تجاه قضية المرأة .

ثانيا :  يرى كثيرون وكثيرات من المثقفين الخليجيين أهمية إدراج قضية المرأة ضمن قضية خطاب وطني اشمل يقوم على فكرة دولة القانون ومبدأ تكافؤ الفرص بين الجميع، لأن خلق هذا المناخ كفيل ، بشكل آلي، بحصول المرأة على حقوقها ، مادام أن هذه المفاهيم والأفكار قد ترسخت وتم الاتفاق عليها، وجعلها مكتسبا لايمكن الرجوع عنه، وهنا يقول هادي العلوي:" إن النساء ساهمن في حركات التغيير الثوري على امتداد التاريخ ، من غير أن ترتهن مساهمتهن بالنسوية كمحور نضال، ومساهمتها  في هكذا منعطفات تأتي منها كعنصر اجتماعي غير مشروط بالجنس".

بل ويشير الى مفارقة عجيبة، وهي انه ورغم أن المرأة، العربية المسلمة طبعا، في بعض المحطات الثورية ساهمت في قيادة الحروب النضالية او الجهادية وقاومت الغزو الأجنبي ، بل وحكمت او شاركت في الحكم بشكل فعال مثل الملكة القوية اروي الصليحية في اليمن التي دام حكمها زهاء أربعين عاما  في العهد الفاطمي، وكانت تحكم بشكل حقيقي، ومثل شجرة الدر، او مثل غالية البقمية التي قادت  حرب الدفاع ضد الحملة المصرية التركية على الجزيرة العربية من خلال دفاعها عن بلدتها تربة وقومها، مع ذلك كله فإن هذه الوضعية القوية لم  تترجم الى تغيير في دور المرأة وصناعة ثقافة جديدة حولها. لأن المرأة في هذه الحالة تتصرف لابوصفها منطلقة من هاجس نسوي حقوق مقاوم بل  لمجرد كونها تنتمي الى محيطها  الخاص الذي تقتضي مصلحته العامة هذا النوع من الحكم او المقاومة. لكن بالإمكان ، حاليا، التأسيس على هذه النماذج التاريخية لمحاججة القائلين بالعجز الطبيعي لدى المرأة في الحكم والصلاحية ، نحاججهم بنماذج من تاريخنا نحن مغروسة في طين أرضنا ، وليست مستعارة من الخارج، رغم انه يمكن الاحتجاج بنماذج المرأة المقتدرة الفاعلة الحاكمة التاجرة المفكرة ، بصرف النظر عن دينها ولغتها، مادامت حجة المخالفين لنا مبنية على وجود عجز طبيعي في المرأة بسبب تكوينها ، فهذا العجز ، وفقا لهم، مبني على جنس المرأة لا على  ثقافتها وانتماءها الحضاري الخاص.

ثالثا:  كما قلنا في هذه الورقة فإن  المسؤولية  الرئيسية في هذه المعركة ، تقع على عاتق المرأة نفسها، وبدعم من الرجل ، ففي تصدي المرأة لقضيتها مايتيح قوة للقضية نفسها، فإن "لصاحب الحق لسانا" كما يقال، ومن هنا اكتسبت قضية المرأة في مصر او بلاد الشام قوتها بسبب تصدي رائدات لها وبدعم من الوسط الثقافي المستنير، ويجب أن تدرك المرأة أن أعداءها في هذه المعركة لن يكونوا من الرجال فقط، بل ربما تكون عداوة النساء أكثر واشد ضراوة، وقد رأينا كيف أن ثلة من النسوة المنتميات للتيار الأصولي في السعودية، على سبيل المثال، قد ناهضن أي مسعى تقوم به شقيقاتها في سبيل الحصول على حقوقهن الطبيعية والشرعية، بذريعة التغريب والغزو الفكر وخصوصية المرأة المسلمة وفساد المرأة في العالم الأجنبي عنا ... الخ الحجج التي هي من صنع المطبخ الذكوري الأصولي ، لكن نسوة الأصولية هنا  يجلبن الطعام الذكوري الى المائدة النسائية!

رابعا: بناء خطاب مدني حقوقي لقضية المرأة ، يراعي طبيعة الثقافة ويحدد بالفعل مكامن المشكلة، فليس بالضرورة ان تصبح مشكلة المرأة في العالم الغربي هي نفسها مشكلة المرأة العربية والمسلمة، والخليجية طبعا التي هي مناط اهتمامنا هنا، وهي الأقل حظا بين النسوة العربيات في معركة الحقوق، ولذلك فإن بعض الاصوات النسوية او " الفمنسيت" المتطرفة قد تنفع صاحبتها كصرخة احتجاج فردية ، ولكنها لاتنفع في سياق بناء قضية يحصل عليها توافق اجتماعي بالحد الأدنى. ولذلك فإنني أرى أن استحضار ذخيرة فقهية وتاريخية من المرجعية الاسلامية والعربية ضروري في معركة الشرعية وصورة التاريخ، وهي مربكة جدا للخطاب المضاد، خصوصا وان تراثنا الفقهي وسجلنا الادبي والاجتماعي والسياسي كله يساعدنا في معركة "اعادة" تفعيل دور المرأة العام.

خامسا: يطرح كثير من المهتمين بقضية حقوق المرأة العامة والسياسية منها على وجه الخصوص ، فكرة " الكوتا" النسائية في البرلمان، او المجالس البلدية او مجالس المحافظات والمناطق، كخطوة انتقالية ومرحلية لتعويد المجتمع على رؤية المراة في مواقع التشريع والرقابة والعمل السياسي، خصوصا وان فكرة الكويتا معمول بها في بعض البلدان العربية مثل الاردن والسودان والمغرب ، وكثير من دول العالم، لأن المجتمع قد يبدي مقاومة لوصول المرأة إلى الميدان العام،  لأسباب معقدة ومحل نقاش طويل، فمن قائل ان ذلك راجع إلى ثقافة ذكورية لاعلاقة لها بالدين ولكنها تحتج به، خوفا من خروج المرأة من قبضة السلطة الذكورية، ومن قائل بسبب تردد  لدى السلطات في المضي قدما في سبيل قضية المرأة، وان هذه القضية ليست من أولويات السلطة لدينا وهي ليست مستعدة لمجابهة السلطة الاجتماعية ذات الثقافة الذكورية ، خصوصا مع عدم وجود قوة ضغط مضادة تجعل صانع القرار يأخذ في الاعتبار حقيقة وجود قضية للمرأة.

هنا تصبح مسألة الكوتا ضرورية لتعويد الجسم الاجتماعي على قبول الوضع الجديد، لأن رفضه له لاعلاقة له بالمنطق او الدين، ثم انه ضار بالتنمية العامة.

سادسا: يجب الحذر في قضية المرأة من ربطها بأجندة خارجية ، لأن هذه الصورة هي مايسعى اعداء قضيتها الى تكريسها عبر ربط حقوق المرأة بالتغريب والغزو الفكري الخارجي، رغم أن قضية المرأة أقدم من ذلك بكثير، ولذلك كان لافتا التصريح الايجابي لوزير الخارجية السعودي الأمير سعود الفيصل عندما قال في مؤتمره الصحافي مؤخرا مع وزير الخارجية الهولندي:" ان قضية حقوق الانسان عندنا هي جزء من ثقافتنا وديننا وتراثنا ونحن مؤمنون بها ، لا على سبيل المجاملة للغرب، بل لأن ذلك من مقتضيات ديننا".

سابعا: من معوقات حقوق المرأة في  إقليمنا الخليجي وجود قنوات تأثير نشطة على السلطة السياسية من قبل الأصوليين والذكوريين، وهو مالايوجد، على الأقل بنفس الكفاءة، لدى أنصار قضية المرأة، مع ان كثيرا من اهل الحكم في اقليمنا ليس لديهم موقف متطرف ضد المرأة مثل موقف الجماعات الاصولية او الذكوريين، ومن هنا وجوب استثمار قنوات الاتصال، واقصد بها العامة والخاصة، في سبيل التنوير بقضيتها.

ثامنا وأخيرا: يمكن تجزيء قضية المرأة، فنحن نعيش في مجتمعات خليجية، وان كانت متشابهة بشكل عام، الا ان هناك فروقا في بعض المطالب للمرأة من مجتمع الى مجتمع، فاذا كانت قضية المرأة في الكويت الآن الوصول للبرلمان وإقناع المجتمع بذلك، فإنها في السعودية مختلفة فهي تقوم على توسيع مجالات العمل وعلى العنف الأسري وعلى مشكلة إدارة البزنس دون معوقات نظامية تقوم على اشتراط  الارتباط بالذكر المحرم، وعلى  تكسير قشرة التشدد في  فضاء المجتمع العام  وفتح مجال الالتقاء العادي والعام بين  الرجل والمرأة، بوجود توتر شديد ويقظة مستنفرة للجماعات الدينية في هذا الصدد، رغم  ان الفضائيات والانترنت تبث ثقافة مناقضة تماما لهذه الطهورية العنصرية المدعاة.

في الختام:

ورغم أنني مضطر  للتوقف،  بسبب انني اتحدث في ندوة عامة ، الا انني اود ان ابدي بعضا من التفاؤل بخصوص يقظة المرأة الخليجية التي خرجت من فترة عقود المد المظلم الذي عشناه طيلة ثلاثين عاما تقريبا، ورغم الخطوات الايجابية التي نراها من السلطات في الخليج بدءا من تخصيص مقاعد للمرأة في عمان  ووجود نساء بمقاعد المجلس الوطني في الإمارات وتعيين سيدة وزيرة للثقافة والاعلام في البحرين، وايضا تعيين سيدات في قطر في مواقع الوزارة والاستشارة، ونشاط المرأة الكويتية السياسي بعدما اصدر الامير الراحل قراره بمنح المرأة حقها السياسي كاملا 1999 ثم إقرار البرلمان لهذا الحق، بعد مقاومة وجيزة.


ثم هذا الحراك اللافت الذي نراه في ميدان قضية المرأة بالسعودية في عهد الملك عبد الله الذي عين امراة نائبة لوزير وفعل حضور المرأة والتقى ببنات وسيدات الوطن  في شتى المجالات، وآخرها لقاءه بزميلات الطب السعوديات والتقاطه الصور العامة معهن، وتصريحاته الايجابية حول إيمانه العميق بحقوقها ودعمه لهذه الحقوق، ثم تصريحات النائب الثاني ووزير الداخلية الأمير نايف الذي قال مؤخرا أثناء لقاءه بمنسوبات وطالبات جامعة الأميرة نورة بنت عبد الرحمن إن مواقع العمل في البلد تنتظر المرأة السعودية ، وحديث نائب وزير  الشوؤن البلدية الامير منصور بن متعب مؤخرا عن ان وزارته تدرس جديا منح المرأة السعودية حق التصويت في الانتخابات البلدية، وحديث وزير العدل  الجديد الشيخ محمد العيسى عن وزارته تدرس  ادخال المرأة في بعض الوظائف المتعلقة بالقضاء وايضا موضوع المحاميات السعوديات، وكل هذه التصريحات جاءت في حدود عشرة ايام تفصل بينها فقط، وقبل هذه التصريحات بايام صدر عدد مجلة التايم الامريكية ليضع  نائبة وزير التربية والتعليم السيدة نورة الفايز ضمن اهم مائة شخصية مؤثرة في العالم/ محتلة المرتبة 11 متقدمة على الرئيس الفرنسي ساركوزي والرئيس الامريكي اوباما!

وازيد اكثر في السعودية، لايكاد يمر يوم دون ان تقرأ في الصحافة المحلية مقالا او خبرا او تحقيقا يناصر المرأة ويطالب بالمزيد من حقوقها، وقبل ايام عقد منتدى المرأة في المنطقة الشرقية مؤتمرا  تمخض عنه المطالبة برفع سقف  مطالب المرأة السعودية والمطالبة بمشاركة اكبر في السياسة والاقتصاد، أسوة بالرجل الموجود في الوزارات ومجلس الشورى والاقتصاد.( جريدة الحياة 14 مايو 2009).

ورأينا نشاطا لافتا لبعض سيدات النخبة السعودية باتجاه مأسسة حضور المرأة ودورها فكان برنامج امان الاسري الذي ترعاه شخصيا الاميرة عادلة بنت الملك عبد الله، وتعقد له المؤتمرات، وكانت جائزة الاميرة حصة بنت سلمان للصحافيات السعوديات، وهي الجائزة الاولى من نوعها لدعم وتعليم وتدريب الصحافيات وحماية حقوقهن المهنية والعملية، كل ذلك في السنوات القليلة الماضية.

كل هذه التغييرات التي طرأت على قضية المرأة  خلال السنوات القريبة في دول الخليج ترسل رسالة واضحة ان موسم القطاف قد بدأ وان احلام سيدات الامس بغد افضل لم يضع فهاهي  امرأة اليوم تبدأ بتحقيق أحلام امرأة الأمس، ولن تقلع سفينة المجتمع الخليجي إلا على شراعي المرأة والرجل..

وفي الختام شكرا لكم.
 
مشاري الذايدي هو كاتب وباحث سعودي يعمل في صحيفة الشرق الأوسط، والورقة ألقبت في في ندوة جمعية المنتدى مساء يوم 17 مايو بفندق الخليج - البحرين

 

 

 

 

 

  الأسم:
  عنوان التعليق:
  نص التعليق:

 

Untitled 1  من أنا | لمراسلة الموقع | تسجيل | مساعدة | اتفاقية استخدام الموقع Untitled 1
Copyright ©  2006-2010 aafaq.org . All rights reserved
Powered by hilal net Co.