Untitled 1

 

2017/12/17 

 بحث

 

 

تاريخ النشر :26/3/2014 18:55

تساؤلات وآراء في الهوية والانتماء

 

منصور الحاج

عندما عملت مدرسا متطوعا في الفصل الذي يشرف عليه استاذي وصديقي ستان الذي يعمل مدرسا للغة الانجليزية للمهاجرين القادمين إلى أميركا، كان دائما ما يتندر عليّ حينما يطلب من الطلاب أن يسألوني من أي بلد أنا لعلمه أنني لا أملك إجابة محددة على هذا السؤال. ففي الوقت الذي يجيب فيه باقي الطلاب بذكر اسم البلد الذي قدموا منه وهو أمر يستغرق في الغالب ثانيتين، احتاج انا على الأقل لدقيقة للاجابة على ذلك السؤال البسيط أذكر فيها مكان مولدي ونشأتي ودراستي والجنسيات التي أحملها. ولأنني أدرك بأنني لست وحدي من يعاني من هذه المشكلة، رأيت طرح الموضوع في مقال وفتح المجال للنقاش والأخذ والرد.

وحتى لا يتشعب الحوار ويأخذ مناحي عدة، أود الإشارة إلى أنني سأتناول في هذا المقال محددات انتماء شخص ما إلى جماعة، أو قطر أو فكرة أو قومية وأناقش المعيار أو المعايير التي يقاس بها نسبة انتماء شخص ما إلى ثقافة معينة، أو قطر معين أو جماعة ما. كما أحاول الإجابة على أسئلة من قبيل: هل قبول الجماعة شرط لمباركة انتماء الشخص إلى كيان أم جماعة أم أن بإمكان أي شخص اختيارهوية معينة والاصرار عليها رغم انف المعترضين؟ وهل يمكن أن يكون الشخص متعدد الهويات؟ وما المعيار الذي يجب اعتباره في ترتيب الهويات المتعددة للشخص؟ وهل من الممكن ان يكون شخص ما مزدوج الانتماء لانتمائين قد يكونا متعارضين؟ كأن يكون شخص ما مسلم مثلا وملحد أو مسيحي في آن واحد؟ وما أثر مباركة جماعة ما لانتماء شخص ما إليها على الهوية وما أثر خلع أو تبرؤ جماعة ما من انتماء شخص ما إليها؟

يفخر الكينيون مثلا بأن أوباما منهم، فهل يصح القول بأن أوباما كيني لأن والده جاء من هناك على الرغم من أن (اوباما) لا يحمل جواز سفر كيني ولا يجيد لغة البلاد ولا يفهم ثقافتها؟ في أميركا، اتفق الناس عرفا على التغلب على هذا الاشكال نسبة لعدم وجود قومية أميركية فالكل هنا تقريبا قدم أجداده من مكان ما للاستقرار هنا. وأصبح من المعتاد أن يذكر الأميركي أصله دون أن ينقص ذلك من وطنيته شيئا. كأن يقول بأنه أميركي من أصل ياباني أو ألماني أو مكسيكي أو إيطالي. أما السود، فتم نسبتهم إلى القارة التي تم استجلاب أجدادهم منها، فيعرّفون بأنهم أميركيون من أصول أفريقية وهو تعريف لا يستسيغه البعض ويفضلون ان يكونوا أميركيين فقط دون إشارة إلى القارة السمراء. نفس الشيء ينطبق على بعض الأميركيين من أصول آسيوية الذين يثير سخطهم السؤال المتكرر عن أصولهم كما يتضح من خلال هذا الفيديو.

النجم الكوميدي ون هو شانغ السعودي المولد والأردني النشأة، يعرّف نفسه بأنه كوري من أم فيتنامية. من الطرائف التي يذكرها أن أصدقاءه يستوقفونه كلما أخذته "الحمية العربية" وبدأ حديثه بعبارة "نحن كعرب ..." ليذكرونه بأنه ليس عربي. ون هو يحمل وثائق سفر أردنية لكنه لا يذكر أنه أردني عندما يعّرف نفسه ويصر على التمسك بكوريته التي ربما ينتمي إليها شكلا فقط، فما هو مصير ابنائه يا ترى وكيف سيعرّفون أنفسهم وما هي الهوية التي سيختارونها؟

في نظري، لا يختلف ون هو عن ابناء الجالية البورمية الذين استضافتهم السعودية قبل عدة عقود واستقروا هناك لأجيال. سحنتهم الآسيوية واضحة، وربما لا يتحدثون لغة غير العربية فيما يحمل الكثيرين منهم الجنسية السعودية وانقطعت صلتهم ببلادهم الأصلية. ربما لو نشأ ون هو في السعودية وحصل على الجنسية السعودية لما منحته سحنته الآسيوية أي تميز نسبة لوجود الكثيرين ممن يشبهونه وأذكر على سبيل المثال الممثل الكوميدي السعودي أنمار فتح الدين. يبقى من المؤكد أن اسمه المميز قد لعب دورا بارزا في اضفاء عنصر المفاجأة على كل من يشاهده وهو يتحدث العربية.

رسميا، كل من يحمل جواز دولة ما يعتبر مواطنا لتلك الدولة، إلا أن بعض الدول قد "تبرأت" من أبناءها أو رفضت انتماءهم إليها بسبب تصرفاتهم كما هو الحال مع الزعيم السابق لتنظيم القاعدة أسامة بن لادن، أو السياسي السعودي المعارض سعد الفقيه اللذين أعلنت السلطات سحب الجنسية منهما إلا أن تلك الخطوة لم تغير من الواقع شيئا مما يجعل مسألة التبرؤ او عدم مباركة الانتماء أمرا شكليا قد تترتب عليه تبعات قانوية أو عرفية فقط.

عندما طرح مسؤولون سعوديون في لقاء مع مسؤولين تشاديين موضوع انخراط بعض الشباب من الجالية التشادية المقيمة في السعودية في تنظيمات إرهابية، رد الوفد التشادي بأن أولئك الشباب من مواليد السعودية ولا يعرفون شيئا عن تشاد وبالتالي فتشاد ليست مسؤولة عنهم. وأعتبر أحد المسؤولين أن السعودية هي المسؤولة عن اولئلك الشباب لأنها من "ربتهم" بحسب تعبيره في مدارسها وحلقات تحفيظ القرآن. وذكر أنه يتقبل تحمل المسؤولية تصرفات المواطنين الوافدين، ولكن ليس من لا يعترفون بتشاد وطنا لهم وليس لديهم أي علاقة بتشاد. حوار مماثل ايضا دار بين المسؤولين اليمنيين والأميركيين عن اليمنيين المعتقلين في جوانتاناموا حيث أن غالبيتهم من مواليد السعودية وسيعودون إليها في حال تم تسلميهم إلى اليمن، وبالتالي فإن من الصعوبة على اليمن مراقبتهم وإبقاءهم داخل حدودها.

كما أن الكثير ممن يحملون جوازات دول ما لا يعرّفون أنفسهم بأنهم من الدولة التي يحملون جواز جنسيتها وجواز سفرها كما كان الحال مع عزمي بشارة الذي كان عضوا في البرلمان الاسرائيلي ويحمل جوازا دبلوماسيا إسرائيليا وغيره ممن يطلق عليهم مسمى "عرب إسرائيل" او "عرب 48".

في احيان كثيرة يغلب الطابع الشخصي في اختيار أي شخص لهويته التي ينتمي إليها ويفتخر بها أو يحبها أو تلك التي تمنحه تقدير المجتمع. هناك مثلا من السعوديين من أصول نيجيرية يفتخرون بأصولهم وبأنهم يجيدون لغة قبيلتهم كما هو الحال مع أبناء قبيلة الهوسا أو البرنو وخاصة من يعيشون في مكة. كما أن الفيديو الذي نشره الدبلوماسي السعودي المنشق هارون أحمد والذي تحدث في جزء منه باللغة الأوردية يعد تعبيرا عن اعتزازه بأصله الباكستاني ردا على من نعتوه بأصله ظنا منهم أن في ذلك انقاصا لقدره.

في اعتقادي أن بالإمكان الجمع بين انتماءات قد تبدو متناقضة، فالمسلم الذي يعتنق ديانة أخرى مثلا، بإمكانه الابقاء على هويته الإسلامية فالانسلاخ لا يتم في يوم وليلة على الأقل من الناحية الثقافية. في كثير من الأحيان تختطف بعض التيارات تفسير مصطلح ما وتصر على أنه هو الصحيح وما سواه باطل. فالمسلم مثلا بحسب الحديث النبوي هو من "سلم المسلمون من لسانه ويده" أي من اتخذ السلمية معتقدا بغض النظر عن انتمائه الديني وبالتالي فلا يجب اختصار المسمى على من نطق بالشهادتين والتزم بباقي أركان الإسلام كما يصر المتشددين الذين عادوا كل من اختلف معهم وحصروا الدين في شكليات متجاهلين تماما جوهر الدين ورغبة الخالق في ألا يكون الناس أمة واحدة.

صديقي الشاعر المكاوي نسبة إلى مكة عبد الله بيلا الذي تعود إصوله إلى بوركينا فاسو تعرض لموقف طريف خلال مشاركته في مسابقة أمير الشعراء حينما سأله أحد أعضاء لجنة التحكيم إن كان يتم تدريس اللغة العربية في بوركينا فاسو. فرد قائلا: نعم، أنا مولود في السعودية. فقال له الحكم: انت من بوركينا فاسو بالانتماء فقط. رد عبد الله: نعم نعم.

أما مسألة ترتيب الانتماءات، فهي قضية شخصية بحتة يتحكم فيها مدى تعلق الشخص بإنتمائه المفضل. فهناك مثلا من يعتبر انتماءه الديني فوق أي انتماء وهو موضوع يتجلى بوضوح في أدبيات حركة الاخوان المسلمين الذين يعتبرون الانتماء الديني أقوى من أي انتماء اقليمي أو قومي أو فكري. نفس الأمر ينطبق على المتدينيين المسيحيين واليهود الذين يرون ان انتماءهم الديني فوق أي انتماء.

في المجتمعات الطائفية أو القبلية أو المناطقية يحتل الولاء او الانتماء للطائفة أو القبيلة أو المنطقة أولوية لأنها خط الدفاع الأول. فسكان اقليم كاتالونيا مثلا، يعتبرون أنفسهم كتلان أولا قبل أن يكونوا اسبان. التصريح الشهير للمدافع الكاتالوني جيرارد بيكيه لاعب برشلونة العام الماضي قبل مواجهة مرتقبة ضد ريال مدريد الذي قال فيه مخاطبا المدريديين: سنهزمكم في عقر داركم، كان يحمل شحنات سياسية بسبب رغبة الاقليم في الانفصال عن اسبانيا وهو الأمر الذي يرفضه أنصار الوحدة الذين يتمسكون بوحدة الدولة.

حادث مماثل أثار الكثير من الجدل بين النشطاء والكتاب السياسيين السودانيين في المنتديات ومواقع التواصل الاجتماعي بعد أن وصفت حركة "قرفنا" في بيان لها الشاب الذي سقط برصاص رجال الأمن داخل جامعة الخرطوم مطلع الشهر الجاري بأنه "دارفوري" بدلا من "مواطن" أو "طالب". وعلى الرغم من رغبة "الحالمين" السودانيين بسودان لكل السودانيين تختفي فيه القبلية والمناطقية، إلا أن الانتماء القبلي لايزال عاملا أساسيا في النزاعات السياسية وما تفتت حركات التمرد إلى مجموعات صغيرة يغلب عليها الطابع العشائري بين أبناء القبيلة الواحدة إلا دليل دامغ على تلك الحقيقة.

بعد انفصال السودان، اصبحت تعريف السوداني نفسه بأنه سوداني فقط بلا معنى. فبمجرد أن يقول الشخص إنه من السودان، يتم تلقائيا طرح السؤال الآتي: من الشمال أو الجنوب. وهذا التصنيف بحد ذاته يطرح عدة تساؤلات خاصة إذا كان المسؤول من غرب السودان أو شرقه، عندها حتما سيتجه برده شرقا أو غربا أو وسطا أو حتى جنوبا نسبة للمنطقة الجنوبية في دولة السودان.

على المستوى الشخصي، اتعرض للكثير من المواقف بسبب عدم التزامي بهوية واحدة، ففي كل مرة هناك من يشكك في انتمائي لهذا البلد أو ذاك تارة بسبب اللهجة التي اتحدثها، أو الاهتمامات أو حتى الشكل. فعندما ذهبت إلى تشاد للدراسة، كانوا يطلقون عليّ لقب "السعودي" أو "ولد السعودية" ولم تشفع لي محاولاتي اليائسة لإجادة لغة الشارع واندماجي التام في الثقافة المحلية شكلا ومضمونا وكانت اللكنة (اكسنت) التي أتحدث بها هي المحك الذي يوحي لمن أتحدث إليه أنني لست تشاديا "أصليا" وإنما "مزيف".

محاولاتي للانتماء للأميركيين السود أيضا بات بالفشل بسبب أنني لا أحمل نفس الثقافة. ولا أخفيكم بأنني أجد الترحيب منهم في بداية التعارف لأن "اللون يحن" كما يقال، ولكن ما ألبث أن أجد نفسي غريبا حالما تطرقوا إلى قضايا ثقافية خاصة لا ناقة لي فيها ولا جمل ناهيك عن المصطلحات والتعابير الخاصة التي يستخدمونها التي أقف أمامها فاغرا فاهي أحاول عبثا فهم موضوع الحديث ولمن في الغالب دون جدوى.

في إحدى المناسبات، ورغبة مني في الاختصار، قدمت نفسي لشخص ما تعرفت عليه في مناسبة ما بأنني من السودان. بعد ساعات من الحديث نسيت أنني قلت ذلك، فجاء شخص آخر وسألني فأجبت بأنني من تشاد. عندما لاحظت علامات الدهشة والتعجب في على وجه الأول أدركت أنني "عكيت". أخذت نفسا عميقا وشرحت لهما من أين أنا في دقيقتين بدلا من دقيقة.

 
كاتب صحفي ورئيس تحرير "آفاق"
البريد الالكتروني: editoraafaq@yahoo.com

 

 

 

1 - مقالة ممتازة
عبدالله بيلا | 28/3/2014 ,16:59
المقالة هنا بحق تجلي الواقع المؤلم والتشظي الخطير الذي يعيشه منقسمو الهوية .. وما نحن عنهم ببعيد أبداً أشكر لك استشهادك بمشاركتي الأخيرة في أمير الشعراء دمت بخير

 

الأسم:

 

عنوان التعليق:

 

نص التعليق:

 

 

 

 

Untitled 1  من أنا | لمراسلة الموقع | تسجيل | مساعدة | اتفاقية استخدام الموقع Untitled 1
Copyright ©  2006-2012 aafaq.org . All rights reserved
Powered by hilal net Co.