Untitled 1

 

2017/8/23 

 بحث

 

 

تاريخ النشر :6/9/2007 4:44 PM

عبادة المسلمين للأحجار

 

أحمد صبحي منصور

أولا :
1 ـ أضحى التصوف السني أكثر تسيدا وسيطرة في العصر العثماني، فتأكدت عبادة الأولياء وتقديس الأضرحة التى كانت سائدة لدى العرب قبل الاسلام، مع أن رسالة الاسلام الحقيقية ومعناه القلبي والعقيدي هو اسلام القلب والعقيدة لله تعالى وعبادته وحده من دون تقديس بشر أو حجر، وقد كان ارسال النبي محمد عليه السلام بالوحي القرآني لتوعية العقول واطلاق سراحها من عبادة الأحجار، ولكن نجح التصوف في ارجاع تقديس البشر وقبورهم.

وباستنساخ التصوف السني دينا جديدا، فقد صارت له (حقيقة) و(شريعة)، (فالشريعة) تعني التمسك بمظاهر الشرع السني من صلاة وزكاة وصوم وحج، بينما تعني (الحقيقة) العقيدة الصوفية التي تجمع بين تقديس الأولياء الصوفية والايمان بشفاعتهم وكراماتهم أي معجزاتهم، مع تقديس النبي محمد عليه السلام وكبار الصحابة والأئمة السنيين، فاتسعت دائرة الأولياء والآلهة المقدسة، وجرت مراسيم عبادتهم في قبور حقيقية ووهمية مزورة في أغلب المساجد في شتى بلاد العالم (الاسلامي). ولا تزال حتى الآن .!!

وكان الشيعة سباقين في تقديس الأئمة من أبناء علي وذريته قبل ظهور التصوف، لذا تكاثرت في دينهم الشيعي إقامة القبورالمقدسة في المساجد الشيعية والحسينيات (أي المساجد المخصصة على اسم الحسين بن علي المقتول في كربلاء).

وكان المسوغ للجميع وجود عبادة شكلية لله تعالى من صلاة وصوم وحج وصدقات. وغفلوا أن هذا هو الكفر والشرك في العقيدة الذي يعني أن تعبد الله تعالى وتعبد معه غيره وأن تقدس الله تعالى وأن تقدس معه غيره. وغفلوا أن هذا لا يجوز في الاسلام الذي يتطلب اخلاص العقيدة والعبادة لله وحده بلا شريك .

2 ـ لقد هاجم القرآن الكريم عبادة القبور والأولياء الموتى والاستغاثة بهم، والاعتقاد في نفعهم وضررهم، وأمر الله تعالى رسوله الكريم أن يتحدى مشركي قريش المعتقدين في تلك القبور بأن يسلطوا تلك الأولياء الموتى عليه إن كانت لهم قوة أو سلطة، وأكد جل وعلا إنهم موتى ورماد، وهذا معنى قوله تعالى (إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ. أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا قُلِ ادْعُواْ شُرَكَاءكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلاَ تُنظِرُونِ) وبعد هذا التحدي أكد رب العزة أنه جل وعلا وحده هو الولي المقصود بالتقديس وطلب المدد والدعاء، وأنه جل وعلا هو الذي يدافع عن عباده المؤمنين فعلا، بينما لا تستطيع تلك الأولياء الموتى أن تنفع أحدا أو أن تضره: (إِنَّ وَلِيِّـيَ اللّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلي الصَّالِحِينَ، وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلآ أَنفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ )(الأعراف 194 ـ ).

وفي موضع آخر ينفي رب العزة اعتقادهم بأن تلك الأولياء الموتى تعلم الغيب مؤكدا أنه جل وعلا هو وحده الذي يعلم السّر والعلن، وأن تلك الأولياء الموتى لا تستطيع أن تخلق شيئا، بل هي مخلوقة من أكاذيب وأساطير، وهي مجرد موتى لا تعلم حتى متى سيكون بعثها بعد موتها: (وَاللّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ.وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ لاَ يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ أَمْواتٌ غَيْرُ أَحْيَاء وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ ) (النحل 19 ـ ).

3 ـ أعاد التصوف عبادة القبور في العصر العباسي، وراج أمرها في العصر المملوكي بعد مزج التصوف بالسنة، وهذا التصوف السني هو الذى جعل العصر العثماني أكثر تخلفا من سابقه المملوكي لأن عبادة القبور والأحجار والأولياء الصوفية تستلزم تغييب العقل وحشوه بالخرافة لكي يصدق بكرامات الأولياء أي القدرات الالهية لأحجار القبور والجثث المدفونة داخلها، لذلك نشر التصوف في العصر المملوكي قيمة اجتماعية هابطة هادمة هي عدم الاعتراض على ما يجرى من أفعال وآثام، بل تقليدها، وامتد ذلك الى التقليد العلمي ومنع الاجتهاد وتحريم علوم الفلسفة والمنطق، فانتشر الجهل وندر التفكير العلمي في العصر المملوكي، ثم تحول الى جمود وتأخر في العصر العثماني الذي دارت فيه الحياة الاجتماعية والدينية حول القبور المقدسة، وفي الوقت الذي كانت تنهض فيه أوربا وتكتشف العالم كان يجتهد ارباب التصوف مثل الشيخ عبد الوهاب الشعراني في نشر الايمان بالأولياء الصوفية والعكوف على أضرحتهم وقبورهم المقدسة .

4 ـ لتسويغ عبادة الأحجار وجثث الموتى أشاع الصوفية الايمان بأساطير المعجزات للأولياء وسموها (كرامات). ونشروا أكاذيب الكرامات في جرأة كان يسمح بها العصرالعثماني. وقد كتب الشعراني في كراماته وكرامات شيوخه الصوفية عشرات الكتب، منها مؤلفات ضخمة مثل (لطائف المنن الكبرى) وهو ملئ بالحديث عن مناقبه وكراماته وخرافاته وكيف أن من كراماته طىّ المكان والزمان أي الابحار داخل الزمن وحول العالم تحت الأرض وفوق البحار والسحاب في طرفة عين. وفي مؤلفاته الكثيرة يضع قواعد النفاق للحاكم والتسليم للشيوخ وعدم الاعتراض عليهم مهما قالوا.
ثانيا:ولفهم عقلية وعقيدة العصر العثماني نعرض هذا النص من كتاب لطائف المنن للشعراني، ونعلق عليه:

1 ـ في كتابه لطائف المنن (المنن الكبرى) 365 : 368 ـ (عالم الفكر . القاهرة) يقول الامام عبد الوهاب الشعراني:

(ومما أنعم الله تعالى به علي: رؤيتى للأولياء الذين ماتوا، ومباسطتهم معي، وذلك لحسن أدبي معهم إذا زرتهم، ومعاملتي معهم معاملة الأحياء، وبعضهم رأيته ناقصا في بعض المقامات، فتوجهت إلى الله تعالى في إعطائه كمال هذا المقام، فما خرجت حتى كمل، وشكر صنيعي على ذلك، ثم لحقني إلى بيتي تلك الليلة وزارني، منهم سيدي عمر بن الفارض رضي الله تعالى عنه .)

أي إن الشعراني يزور قبور الأولياء الموتى ويعاملهم كالأحياء، وكما يزور بعضنا بعضا في الحياة ويحمل له هدايا فإن الشعراني يفعل ذلك، أكثر من ذلك، إنه إذا علم نقصا في درجات بعض الأولياء الموتى بادر وتوسط لهم عند الله ليرفع درجاتهم فيستجيب له الله، وترتفع درجات ذلك الولي الميت، ويأتي الولي الميت للشعراني يزوره ويشكره. أي أن الشعراني يجعل نفسه أعظم من أولئك الأولياء المشهورين، ويزعم أن الله تعالى يطلعه على درجاتهم، اي إنه يعمل نائبا لله تعالى وشريكا في حكمه بحيث أنه يتدخل حتى في مصير الأولياء المقدسين أنفسهم. 2 ـ وحتى يجعل القارىء يصدق أكاذيبه فإن الشعراني يعطى أمثلة. يقول: 

(ولنذكر لك يا أخي بعض وقائع وقعت لنا لتستدل بها على غيرها، فأقول وبالله التوفيق:
زرت مرة رأس الحسين بالمشهد؛ أنا والشيخ شهاب الدين بن الجلبي الحنفي، وكان عنده توقف (أي شك) في أن رأس الإمام الحسين في ذلك المكان، فثقلت رأسه فنام، فرأى شخصا كهيئة النقيب (النقيب هو كبير أتباع الولي الصوفي) طلع من عند الرأس، وذهب لرسول الله صلي الله عليه وسلم، وما زال بصره يتبعه حتى دخل الحجرة النبوية، فقال يا رسول الله أحمد ابن الجلبي وعبد الوهاب زارا قبر رأس ولدك الحسين . فقال رسول الله صلي الله عليه وسلم : اللهم تقبل منهما واغفر لهما . انتهى . ومن ذلك اليوم ما ترك الشيخ شهاب زيارة الرأس إلى أن مات، وكان يقول : أمنت بأن رأس الحسين هنا).

هنا يستخدم الشعراني بمهارته القصصية مناما زعم أنه جرى لرفيقه شهاب الدين الحنفي، واستخدم تلك القصة في التدليل على وجود رأس الحسين في الضريح المشهور المقام على ما يزعمون أنه رأس الحسين، الذى جىء به بزعمهم بعد مقتل الحسين بعدة قرون. ولا يزال الشك قائما في وجود رأس الحسين في القاهرة لأسباب كثيرة منها إقامة أضرحة كثيرة على رأس الحسين في مناطق عديدة غير القاهرة. وعليه فللحسين رءوس كثيرة مع أن الثابت أن الأمويين قطعوا رأسا وحيدة له.!! واذا كانت لرأس الحسين كل تلك القداسة والتأليه فلماذا عجزت عن حماية نفسها حين قطعها الأمويون بسيوفهم ؟ الشعراني هنا يأتى بمنام للنبي محمد ليؤكد وجود رأس الحسين في الضريح المقام باسمه في القاهرة.

3 ـ ويقول الشعراني :
(ومما وقع لي مع الإمام الشافعي رضي الله عنه: أنني تعوقت (أي إنقطعت) عن زيارته مدة فرأيته في المنام، وقال لي: أنى عاتب عليك وعلى الشيخ نور الدين الطرابلسى الحنفي، وعلى الشيخ نور الدين الشوني في قلة الزيارة، فاني صرت رهين رمسى (اي قبري) أنتظر دعوة رجل صالح !! فقلت: إن شاء الله نزوركم بكرة النهار، فقال: لا، بل تذهب في هذا الوقت معي.

وكنت تلك الليلة في مولد في الروضة عند سيدي أبي الفضل شيخ بيت السادات من بني الوفاء رضي الله عنه، فخرجت لزيارته، ثم سبقني هو فتلقاني من خلف قبته مما يلي قبر القاضي بكار، وطلع بي إلى فوق القبة وفرش لي حصيرا جديدا ووضع لي فيها سفرة (أي مائدة طعام) فيها خبز لين أبيض وجبن أزرار، وشق لي بطيخة من العبد اللاوي وكان أول طلوعه مصر، وقال لي كل يا أخى في هذا المكان الذي ماتت ملوك الدنيا بحسرة أكله فيه معي ... إنتهى).

هنا قصة مضحكة غاية في الفكاهة ، لكن لا يراها كذلك إلا من كان له عقل، أما من يعتقد في كرامات الأولياء فإنه يتلقى كل تلك الخرافات بالتصديق والايمان دون جدال، بل يثور على من يناقشها أو يشكك فيها.

استخدم الشعراني بمهارة الاعتقاد السائد فيه وفي كراماته وكرامات أقرانه وأسلافه من الصوفية لكى يتألق في الكذب وهو مطمئن الى أن كل ما يقوله يحظى بالتصديق بالغا ما بلغ من الكذب والانتحال.

لقد مات الامام الشافعي قبل عصر الشعراني بنحو سبعة قرون ونصف القرن، ثم وضعوا فيما بعد ضريحا على قبره وتحول الى إله في دين التصوف السني. وكتبوا في حياته المناقب كأى ولي صوفي مع أنه في حياته كان يسخر من الصوفية الأوائل مع بداية التصوف في عصره، في القرن الثالث الهجرى.

كان الشعراني ـ الفقيه ـ على المذهب الشافعي، أي كان تابعا وفقيها شافعيا. وحتى يرفع نفسه بالتصوف على منشىء المذهب الشافعي فان الشعراني يفتري أن الشافعي في المنام يتوسل له كي يزوره في ضريحه، ويقول إنه يعاني الوحده حيث صار أسير قبره ومحتاجا لدعوة رجل صالح ـ أي من الأولياء الصوفية. وبذلك يؤكد الشعراني بمهارة فائقة أن اي شيخ صوفي مهما تواضعت منزلته هو أفضل من الشافعي صاحب أكبر مذهب سنى. ثم تمضى القصة في تفصيلات عن الطعام والبطيخ تجعل المؤمن بالتصوف يزداد تصديقا وتجعل العاقل يزداد ضحكا واستهزاءا.

4 ـ ويستمر الشعراني:
(ومما وقع لي معه بعد ذلك أنه دخل على بيتى وقال: قد جئت آخذك تسكن عندى أنت وعيالك، فقلت له: أن شاء الله تعالى في الغد، فقال: بل هذا الوقت، فحمل ابنتي رقية على كتفه وأخذ بيد أختها نفيسة وخرجت معه أنا وأمهما حتى أدخلنا القبة حتى أسكننى بين قبره وبين قبر أم السلطان الكامل المدفونه خلف ظهره، فغار منا الخدم، فقال لهم: هذا لا يزاحمكم في شىء من الدنيا، (أي لا ينافسكم في أخذ النذور) فرجعوا عني، ثم انفتحت القبة من أعاليها كالباب فنزل منه شيء أبيض كالقطن أو كالجص المعجون، ولا يزال ينزل ويتراكم حتى صار عند رأس الأمام، فقلت له ما هذا؟ فقال: هذا سكينة الحياء من الله تعالى، فمن نظر إليها رزقه الله تبارك وتعالى الاستحياء من الله حق الحياء، فصرت آمر كل واحد بالنظر إليها، ثم استيقظت ... انتهى).

الشعراني يتحدث عن سبب خلوته في ضريح الشافعي حيث عاش هناك فترة ليحظى بالشهرة، وكان يقع الشجار بينه وبين خدم الضريح، ثم رحل عنهم بعد أن أصبح مشهورا بالولاية والتقديس، فأقام لنفسه زاوية فيما بعد، عاش فيها وتعاظمت شهرته. الملاحظ هنا أنه بينما يتدلل الشعراني ويؤجل الزيارة للغد فإن الشافعي يبدو دائما ـ في تلك المنامات ـ متلهفا على صحبة الشعراني، ولا يستطيع الانتظار للغد.

5 ـ يقول الشعراني:
(ومما وقع لي مع السيدة نفيسة رضي الله تعالى عنها أنني ذهبت لزيارتها مع الفقراء (أي الصوفية) فوقفت عند حذاء الباب الأسفل الذي كتب عليه التاريخ، ولم أدخل حياءا منها، ودخل جميع الفقراء، فجائتني تلك الليلة (أي في المنام) وقالت لي: إذا جئت لزيارتي فادخل واجلس تجاه وجهي، فقد أذنت لك في ذلك . ومنذ ذلك اليوم وأنا أدخل وأجلس تجاه وجهها .

قال سيدي الخواص رحمه الله تعالى: واصل دفنها كان بالمراغة قريبا من القبر الطويل في الشارع، ولكن ظهرت في هذا المكان الذى كان تتعبد فيه لتعلق قلبها به، وكان الأمام الشافعي رضي الله عنه يؤم بها في صلاة التراويح .

وكذلك وقع لسيدي أحمد بن الرفاعي رضي الله تعالى عنه، فله قبر في بلده أم عبيدة، وقبر أخر في الصحراء التي كان يتعبد فيها، والناس يزورون هذا القبر ولكن لا يحصل لهم الهيبة والرعدة إلا عند قبره الذي في البرية.

وأخبرني الشيخ أحمد الخنازيري الضرير أنه بات عنده في مشهده الذي في البرية، فقال له الخادم: لا تقدر أن تنام هنا من الهيبة التي تقع في الليل، فقال توكلت على الله، فلما دخل وقت العشاء ارتعد من الهيبة حتى كادت مفاصله أن تتقطع، وصارت السباع تجأر خارج المقام، وأبوابه الحديد يحس بها تفتح وترد وكان لها صوت عظيم، قال ثم أني أحسست بشخص جلس عندي وقال: ليلة مباركة، أما تقرأ القرآن فأقرأ معك؟ فقلت نعم. فقرأت أنا وأياه من سورة النحل إلى سورة النجم فلما قرب طلوع الفجر آتانى برغيفين وإنائين في أحدهما لبن دسم وفي الأخر عسل نحل فأكلت حتى شبعت، فطلع الفجر فلم أجده . قال ثم أن الخادم جاءني وقال : خاطري معك في هذا الليلة فإن أحدا لا يقدر ينام هنا ابدا. قلت فقصصت عليه القصة . قال هذا الذي قرأ معك وأطعمك هو سيدي أحمد .إنتهى

وكان سيدي علي الخواص رحمه الله تعالى يقول: حكم باب البرزخ حكم التيار الذي يدخل فيه الإنسان فيغطس ثم يطفوا في موضع أخر . كما وقع لسيدي أحمد الرفاعي والسيدة نفيسة  ..... إنتهى )

الشعراني هنا يقوم بتسويق وتسويغ اسطورة صوفية تجعل كل ضريح مقدسا بغض النظر اذا كان يحوي جثة ولي مقدس أم لا. هناك أضرحة في مصر لصحابة وتابعين وأئمة لم يأتوا لمصر في حياتهم ولم يموتوا فيها، ليس فقط ضريح الحسين بل أيضا ضريح السيدة زينب بنت علي أخت الحسين، وهو ضريح اخترعوه في عصر الشعراني.

ومن الأضرحة المزورة إقامة عدة أضرحة للولي الصوفي، ويبررون ذلك بما يسمى أضرحة المنام، أي أن يرى أحد الشيوخ أن الولي جاءه في المنام وأخبره أنه يريد ضريحا هنا أو أنه انتقل الى هذا المكان، أو كما ذكر الشعراني عن البرزخ.. في كل الأحوال فهي عبادة صريحة للأحجار والأوثان، فالقبر خال ولا يوجد سوى أحجار تتمتع بالتقديس وتحيط بها الأساطير.

والأضرحة أهم المعالم المادية والاجتماعية والدينية للدين الصوفي، وسيطرتها على الحياة الاجتماعية في عصر التصوف السني دليل على غلبة التصوف على السنة في هذا الدين المستنسخ من السنة والتصوف.

6 ـ ونعود للشعرانى :
( ومما وقع لي مع سيدي عمر بن الفارض رضى الله تعالى عنه أنني ذهبت لزيارته يوم القائلة فناديت الخادم فلم يجبنى والباب مغلق. فقرأت الفاتحة من على الباب ورجعت، فجاءنى تلك الليلة وعليه عمامة عظيمة وثوب صوف أخضر، فصلى عندي في مدرسة أم خوند ركعتين، وقال لي: أعذرنى يا أخي فأني ما كنت حاضرا، ولكن واحدة بواحدة جزاء، وكنت لم أسمع بنصف هذا البيت المذكور قبل ذلك فعرفت شدة عزمه وفتوته. وعلمت أنه من الأولياء الأكابر لاطلاقه وسراحه وعدم تقيده بالمكوث في قبره، بل هو كالأحياء يذهب حيث يشاء ويرجع إلى داره .

وكذلك ذهبت ذات مره إلى سيدي غانم رحمه الله تعالى لأزوره، فقال لي أخي أفضل الدين أرجع فإن الشيخ الآن في وقعة ردوس، له خمسة عشر يوما غائبا فرجعت. إنتهى).

الشعراني هنا يؤكد على أن الولي الصوفي الميت يعيش متحررا من قبره يذهب حيث يشاء كالأحياء، وليس فقط يشعر بمن حوله من الأحياء بل يشاركهم الغزوات والحروب. الآن عرفنا لماذا ينهزمون !!

7 ـ يقول الشعراني:
(ومما وقع لي مع سيدي أحمد البدوي رضي الله تعالى عنه أنه جاءني ودعاني أيام خروج الناس من مصر إلى مولده: وقال إن زرتني طبخت لك ملوخية فلما ذهبت إلى طندتا طبخ لي جميع من ضيفني فيها ملوخية ثلاثة أيام من غير تواطؤ، تصديقا لكلام الشيخ في المنام، وصار كل من يدخل القبة يبدأ بالسلام على قبل زيارة الشيخ حتى استحييت منه. وكانت أم ولدي عبد الرحمن لها معي مدة سبعة شهور وهى بكر فجاءني وقال: إختل بها في ركن قبتي الذى على يسار الداخل وأزل بكارتها ، ففعلت، فطبخ لي حلواء وملوخية حتى كفي أهل المولد، فلما رجعت الى مصر حصل ما أشار به في تلك الليلة).

الشعراني هنا يتحدث عن حالة بالغة الخصوصية، هي عجزه الجنسي مع زوجته التى ظلت عذراء في بيته مدة سبعة أشهر. وكان من الشائع في ذلك الوقت الاستعانة بالأولياء الأحياء وأضرحة الأولياء الموتى ـ خصوصا ضريح البدوي في طنطا ـ في حل مشكلة الضعف الجنسى. وهذا ما لجأ اليه الشعراني في حل مشكلته مع زوجته البكر التى عجز عنها. وبمهارته صاغ تجربته في هذه القصة ليجعل السيد أحمد البدوي ـ أكبر الأولياء الصوفية في إعتقاد المصريين المسلمين يسعى الى الشعراني يرجوه ان يزوره في ضريحه في طنطا، ثم يجعل كل من في المولد يقوم للشعرانى بواجب الضيافة، ثم يرشده البدوي أخيرا الى الموضع الذي يستطيع فيه ممارسة الجنس مع زوجته البكر ويفك عقدته الجنسية.

8 ـ ثم يقول الشعراني:
(ومما وقع لي مع سيدي إبراهيم الدسوقي رضي الله تعالى عنه : أنه جاءني وقال لي زرني لله تعالى، فزرته، فخرج إليّ من قبره فنزع عمامته فألبسها لي ووضع عمامته على ركبتى ساعة وقال : قد نزلت لك على ما بيدى من قراءة الحديث في الحجرة النبوية وتدريس العلم فحصل لي بذلك أنس عظيم).

الشعراني هنا يجعل الولي ابراهيم الدسوقي يأتيه في المنام يترجاه أن يزوره في ضريحه، ثم يفتري أن الدسوقي ألبس الشعراني عمامته، وهى إشارة صوفية خطيرة تعني التنازل عن المقام الصوفي ودرجة التقديس التي يتحلى بها الاله الصوفي بزعمهم.

وبجانب هذا الامتياز الصوفي الذى أعطاه الشعراني لنفسه مجانا بهذا المنام فإنه ـ أي الشعراني ـ منح نفسه وظيفة دنيوية. فقد كان باسم ابراهيم الدسوقي المتوفي قبل الشعراني بثلاثة قرون وظيفة تدريس لعلم الحديث في مدرسة صوفية تابعة لقبر النبي محمد في المدينة، في ذلك الوقت. وطبقا لهذا المنام فقد تنازل ابراهيم الدسوقي للشعرانى عن هذه الوظيفة . ولا يستطيع أحد ان يتهم واليا ذائع الصيت كالشعراني بالكذب. وبذلك حصل على تلك الوظيفة وهو في القاهرة، وطبقا للسائد وقتها يستطيع أن يعين فيها مدرسا ينوب عنه، ويقبض هو معظم الأجر. وهذا من أشد صور التحايل مكرا ..

9 ـ ويقول الشعراني :
(ومما وقع لي من سيدي علي الخواص رضي الله تعالى عنه، أننى أكثرت من الترحم عليه في مجلس. فرايته تلك الليلة وهو حريص على تقبيل رجلي وأنا حريص على منعه من ذلك ثم غلبني في غفلة وقبّل باطن رجلي فاستيقظت ونعومة فمه في باطن رجلي .

وكذلك أكثرت من الترحم على سيدي علي المرصفي رحمه الله تعالى وقلت أنه كان ختام نظام الطريق (أي الطرق الصوفية) في مصر فرأيته تلك الليلة وقد دخل على الدار ففرشت له حصيرا ثم أتيت بصحن صيني فيه طعام حلوى ملتوت بأنواع من الطيب فصرت ألقمه من ذلك وهو مبتسم .

وكذلك أكثرت من الترحم على سيدي محمد المنشاوي فرأيته وقد فرش لي سجادة خضراء وأجلسني عليها وجلس بين يدي وقبل ركبتي. ومما وقع لي مع أخي الشيخ أفضل الدين رحمه الله تعالى: أنني رأيته دخل تحت ذيلي وصار يعصر منه ماء ورد ومسك، وعمامته على رأسه كأنه يتبرك بي. ورأيت مرة الشيخ نور الدين الشوني رحمه الله تعالى، وقال لي: مقصودى أن أكون شعرة من جسدك الآن . أنتهى . كل ذلك لكثرة الترحم عليهم).

الشعراني هنا يدعو الى تقديس الأولياء بزعم الترحم عليهم. وبالطبع يذكر حكايات يرفع فيها من شأنه فوق الأولياء الذين يتمتم بتقديسهم والتوسل بجاههم المزعوم عند الله، فيجعلهم يقبّلون قدمه أو ركبته أو يتبركون به. وتقبيل يد الصوفي أو قدمه تقديسا له يدخل ضمن الركوع والسجود له. وتلك هي الصلاة التى يؤديها العابدون للأولياء، وترتبط دائما بقراءة الفاتحة للولي أو ضريحه، مع التوسل به والتضرع اليه. أي هي صلاة كاملة للولي الصوفي حيا أو لضريحه ميتا.

والشعراني يدعو الى تأدية هذه الصلاة للأولياء، ويقول إنه كان يؤديها بنفسه لشيوخه، ولكن لأنه يرى نفسه وليا أعلى منهم مقاما فقد جعلهم يردون عبادته لهم بعبادتهم له بأكثر منها. والقارىء الصوفي الذى يصدق هذا الكلام ويؤمن بالشعراني وليا مقدسا لا بد أن يتأسى به، ويؤدي الصلاة للشعراني وغير الشعراني.

10 ـ ثم يقول الشعراني:
(وكذلك مما وقع لي مع سيدي محمد بن عنان رضي الله تعالى عنه أني أردت ليلة أن أمد رجلي فصرت كلما أمدها أجدها تجاه أحد من أولياء الأقطار، فنمت جالسا، فأتاني سيدي محمد وقال لي مد رجلك إلى ناحيتي فاستيقظت ونعومة يده في رجلي يمدها ناحيته . أنتهى).

الشعراني هنا يلاحق العابدين للأولياء حتى في جلوسهم ونومهم، فيحذرهم إذا مد أحدهم قدمه في أي إتجاه، حيث توجد أضرحة للأولياء في كل إتجاه، ومد القدم ناحيتهم هو سوء أدب معهم. وطبقا لاعتقاد العصر فإنه يجلب سخط الأولياء وغضبهم الذى ينجم عنه (العطب) أي الانتقام الجسدي، و(المقت) أي الانتقام المعنوي. ولأنه ولي عالي الشأن فإن الشعراني حين يمارس هذا الأدب مع الأولياء فلا يمد رجله ناحية قبورهم فإنهم بدورهم يردون عليه التحية بأحسن منها، على عادة الشعراني في تفضيل نفسه عليهم .

11 ـ في النهاية يقول الشعراني:
(فانظر يا أخي ما يثمره الأدب مع الأولياء، ولو أنني كنت قليل الأدب معهم ما باسطوني هذه المباسطة ولا زاروني. ولما أخبرت الشيخ نور الدين الشوني بعتب الأمام الشافعي عليه في قلة زياراته، وكان عنده الشريف عرار صاحب السلطان بركات بمكة، فقال للشيخ : هذه اباطيل فإن الشافعي لا يعتب على مثلك. فرأى عرار تلك الليلة الأمام الشافعي وهو يقول: نعم أعتب عليه وعبد الوهاب صادق . فجاءني من بكرة النهار فاستغفر ربه من جهتي، والحمد لله رب العالمين).

هنا يختم الشعراني هذه الباقة من الأكاذيب بالنتيجة التي قدمها على شكل نصيحة تتمثل في الدعوة لتقديس الأولياء الصوفية تحت مصطلح (الأدب) معهم وما يثمره هذا (الأدب) معهم. وحتى لا يشكك أحد فيما أورده من أكاذيب فإنه يخترع حكاية يؤكد بها مزاعمه، ويحرص على أن يكون أبطال الحكاية موتي (الشريف عرار والشيخ الشوني) حتى يطيح بأي فرصة للتأكد من صدق أو كذب حكايته.

رابعا :
وحتى الان لا يزال الحج الى الأضرحة وتقديسها والتبرك بها وتقديم القرابين والنذور لها من أهم ملامح التدين العملي (للمسلمين) من الصوفية والشيعة والصوفية السنيين، وهم الأغلبية الساحقة في تعداد (المسلمين) الذين يزداد عددهم فوق البليون..

ولقد حسم رب العزة المسألة من البداية حين قرر أن الأكثرية ـ في موضوع العقيدة الصحيحة ـ تكون ضالة مضلة، ولو أطاعها النبي محمد نفسه لأضلوه عن سبيل الله جل وعلا لأنهم يتبعون الأوهام والظنون والأكاذيب (الأنعام 116).

ونحن نحترم حق كل انسان في اختيار عقيدته ونوعية عبادته، وهو مسئول عن إختياره أمام الله تعالى فقط يوم القيامة، ولكن الاسلام يفرض علينا توضيح حقائق الاسلام لمن ينتسب الى الاسلام، خصوصا في العقيدة وأنه لا إله ولا ولي ولا شفيع سوى رب العزة جل وعلا. ودعوتنا هذه مجرد نصح سلمي، لا نفرضه على أحد، ولا نطلب من أجله أجرا من أحد.
خامسا :
لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم .!!

 
رئيس المركز العالمي للقرآن الكريم بواشنطن
البريد الالكتروني: ahmed.mansour@ahl-alquran.com

 

 

 

نصيحة للرئيس السيسى كى يتخلص من تحكُّم شيخ الأزهر وعصابته الداعشية
القرآن الكريم ليس حمّال أوجه :الحلقة الثانية من : هذا العلماني الضحية ..صريع السلفية
طوبى للمضطهدين في الأرض (على هامش سلسلة مقالات العلماني الضحية)
هذا العلماني الضحية ..صريع السلفية ..!!
صراع الأصوليات !!
التبرك ببول شيخ الأزهر
في إصلاح الثمارالسامة لثقافة التطرف الوهابية فى مصر
دمقرطة الاخوان المسلمين - هل يمكن أقلمة الحركات (الإسلامية؟؟) مع التقاليد الديمقراطية؟
حكاية أول عيد للفطر فى القاهرة
الإعجاز العلمي ومعجزات داود وسليمان عليهما السلام
ابن الحاج العبدري ينتقد الغش في اسواق القاهرة المملوكية
حزب الله وحزب الشيطان
في الرد على شيخ الأزهر ووزير الأوقاف
منكرو الإعجاز العلمي للقرآن وقضية التدرج العلمي
جدلية الإعجاز العلمي في القرآن الكريم
الليل والنهار في الاعجاز العلمي للقرآن
لك يوم يا طبلاوي!
البخاريون والقرآنيون: هذان خصمان إختصموا في ربهم
هل هي مؤامرة لتصفية القرآنيين في مصر؟
الهلاك ومصدر التشريع المصري
فرعون (المسلم) بين الاستبداد والكفر
من هو فرعون موسى؟
حتى لا يتهمك أمن الدولة بازدراء الدين عليك بالكفر بالقرآن والايمان بالبخاري..!!
دولة طالبان المصرية واتخاذ المصريين رهائن

 

الأسم:

 

عنوان التعليق:

 

نص التعليق:

 

 

 

 

Untitled 1  من أنا | لمراسلة الموقع | تسجيل | مساعدة | اتفاقية استخدام الموقع Untitled 1
Copyright ©  2006-2012 aafaq.org . All rights reserved
Powered by hilal net Co.