Untitled 1

 

2017/10/18 

 بحث

 

 

تاريخ النشر :17/9/2007 2:43 PM

جدلية الإعجاز العلمي في القرآن الكريم

 

أحمد صبحي منصور

أولا :
1- في الستينيات – عصر الصحوة القومية العربية – بدأ الدكتور جمال الفندي يكتب من واقع تخصصه العلمي في الفلك عن الإعجاز العلمي في القرآن الكريم، وتبعه الدكتور عبد الرزاق نوفل الذي تشعب وأشار إلى الإعجاز العددي والحسابي في القرآن الكريم ، وتبعهم أخرون .

كان جهدا فرديا يقوم به متخصصون في العلوم الطبيعية، ليس لهم خلفية في التراث السني أو الفقهي، بل كانوا يدخلون على القرآن الكريم بعقليتهم العلمية المحايدة يحاولون فهم الآيات في ضوء التشابه أو التطابق بينها وبين حقائق العلم الحديث، وقد أفلحوا ليس فقط في ريادة هذا الموضوع، ولكن أيضا في تأكيد حقيقة الإعجاز العلمي في القرآن الكريم .

2- سقطت الدعوة للقومية العربية في حرب يونيو 1976، وقد تم دفنها بالكامل في حرب الخليج الثانية باحتلال صدام للكويت، واحتل مكان القومية الإنتماء السلفي الوهابي السني الذي سيطر بفعل قطار النفط السريع على التعليم والأعلام والثقافة فظهرت "أسلمة العلوم" و "أسلمة البنوك" بعد أسلمة الأعلام وأسلمة الثياب بالجلباب والحجاب والنقاب .

وتأثرت قضية الإعجاز العلمي في القرآن الكريم بهذا المناخ الجديد، فاتسعت وأصبحت حرفة دخلها الأدعياء والمرتزقة، وتطورت من ناحية الكم لتشمل ما عرف بـــ "الطب النبوي"، وأصبح يطلق عليها "الأعجاز العلمي في القرآن والسنة"، ولم يبق إلا أن يقال عنها "الأعجاز العلمي في القرآن والسنة والسلفية والوهابية والسعودية" وتعمقت نوعيا لترتبط بالإسلام الذي إحتكر السلفيون لأنفسهم الحديث عنه .

3- أحدث هذا التطور النوعي والكمي خصومة كاملة مع المنهج العلمي والمنهج القرآني؛ فالمحترفون الجدد من المؤلفين في الأعجاز العلمي في "القرآن والسنة" دخلوا على فهم القرآن الكريم من خلال المصطلحات التراثية، فالملاحظ فيما كتبه "زغلول النجار" مثلا كثرة استشهاده بالتراث في فهم معاني الآيات القرآنية، ثم يقرؤها في ضوء الحقائق العلمية كي ينسب إعجازا علميا إلى تلك الأحاديث أو ما يعرف بالسنة النبوية.

الخطأ يتجلى هنا في أن فهم القرآن الكريم من خلال التراث يوقع في الأختلاف والإنتقاء، ويصبح القرآن الكريم متهما بأنه "حمال أوجه" أي تختلف معاني الآية وتتحمل التفسيرات المتناقضة، وبالتالي لا يكون كما قال تعالى "كتاب مبين"، " كتاب أحكمت آياته". فالمنهج العلمي في فهم القرآن الكريم لا يكون إلا بفهم مصطلحات القرآن الكريم نفسه وليس من خلال ثقافات لاحقة ومصطلحات تم تداولها بعد نزول القرآن الكريم بقرون.

ثم إن الدخول على القرآن الكريم وفهمه من خلال ما قاله أئمة التراث ينسف قضية الأعجاز العلمي في القرآن من أساسها، فأولئك الأئمة التراثيون غفلوا عن الأعجاز العلمي في القرآن الكريم، وتعاملوا مع الآيات القرآنية ذات المحتوى العلمي بإخضاعها لثقافتهم ومذاهبهم، وأكثر من هذا صاغوا لها تأويلات وصنعوا لها أحاديث مفتراه نسبوها ظلما وزورا للنبي محمد عليه السلام بعد موته بقرنين وأكثر من الزمان، فكيف يتم بناء الإعجاز العلمي على ما قاله هؤلاء الأئمة؟

إنهم لو كانوا قد فهموا الأيات العلمية في القرآن الكريم – وهي واضحة ومباشرة – لاختلف تاريخ البشرية ، ولتوصل العرب والمسلمون في العصر العباسي إلى ما اكتشفه الغرب بعدهم بعدة قرون.!..

كان من الممكن إختصار ألف عام من التخلف والقرون المظلمة مرّت بها البشرية لو أنهم :
ـ التفتوا إلى منهج القرآن الكريم في البحث العلمي التجريبى وطبقوه..
ـ قصروا الايمان بالغيب على ما جاء في القرآن الكريم فقط دون غيره.
ـ استفادوا بما أورده القرآن الكريم من حقائق علمية تسبق عصرها.
ـ أطاعوا القرآن الكريم في التعقل والتبصر والابتعاد عن الخرافات والأساطير.

لم يفعلوا ذلك فأصابوا الاسلام في الصميم، وتحولوا الى أنصاف آلهة في قلوب أتباعهم .. ولا يزالون، بدليل تلك الاتهامات التي لا تزال تلاحق الاسلام بسبب ما فعلته به الوهابية والسلفية. وحتى عندما التفت بعض المسلمين المتخصصين في العلوم الطبيعية الى الاعجاز العلمي للقرآن الكريم ما لبث أن تدخل فيها السلفيون بما يحملونه على ظهورهم من أسفار وتراث فأفسدوا القضية بأكملها، وهم ـ في الواقع ـ ما دخلوا في شىء إلا أفسدوه .. وكذلك يفعلون..!! ..

4- على أن هذه الخصومة مع العلم والعقل والقرآن لم تعطل مسيرة السنيين والوهابيين والسلفيين في تدعيم قضية "الإعجاز العلمي في القرآن والسنة" بل تحولت بنفوذهم وبترولهم إلى تجارة رائجة تنشأ من أجلها الجمعيات وتنعقد بسببها المؤتمرات وتتسع لها الفضائيات والصحف والدوريات ومواقع الإنترنت . وكان من الطبيعي أن يمتد الإرتزاق إلى الدجل، وأن يمتد الدجل ليس فقط فيما يكتبون وما يقولون ولكن أيضا في الربط بين الإعجاز العلمي وبين الطب .

5- فقد انتشر ما يعرف بالطب النبوي، وذاع ـ مثلا ـ أساطير عن الحبة السوداءي"، وتم إفتتاح عشرات العيادات التي تداوي بالقرآن الكريم. وتوثقت العلاقة بينها وبين حلقات الزار والتداوي من المس الشيطاني والربط الجنسي وكتابات المحبة والتأليف بين القلوب.

وبهذا أعيد لنا في العصر الحالي ما ساد من خرافات في العصرين المملوكي والعثماني مما كان يعرف بالطب الروحاني والتداوي بلمسة من الشيخ المقدس أو تراب ضريحه أو فضلات المجاذيب ومخلفات الأولياء الصالحين .

صحيح أن الغرب عرف "الطب البديل" و" التداوى بالأعشاب" والتحرز من إستعمال المركبات الكيماوية في الطعام والدواء، ولكنه يمارس ذلك في ظل منهجية علمية بحثية صاومة .

صحيح أن لكل شعب تجاربه الطبية وخصوصا أصحاب الحضارات القديمة التي لا تزال حية ومستعملة في ثقافة أبنائها مثل الحضارة الصينية وهي التي قدمت تراثها الطبى وانتفع به العالم، ومنه ما اصطلح على تسميته بـ "الأبر الصينية"، ولكن الصحيح أيضا أن تلك الموروثات يتم التعامل معها بمنهجية علمية علمانية، بمعنى أنهم لا ينسبونها للدين ولا يلصقونها بالأنبياء والوحي.

ولكن أساس التخلف ـ الذي نسعد به دائما ـ أننا نغطي ثقافتنا الإجتماعية والطبية بعباءة الدين، فيصبح تراثنا القديم في التداوي "طبا نبويا" ثم نتجرعه بالتسليم، ونموت به لندخل الجحيم.!! قد يوجد الصحيح والفاسد في أي تراث طبي، ولا عيب في هذا، العيب هو أن ينسب ذلك للإسلام ولرسول الأسلام عليه السلام .

ثانيا:
1- النفوذ الكبير للفكر السلفي الوهابي قوبل بمعارضة علمانية مفتونة بمنجزات الغرب الحضارية، فحدث إستقطاب بين التيارين السلفي الرجعي التقليدي والعلماني الحداثي، وامتد هذا الأستقطاب من ميادين السياسة والحكم والأدب إلى قضية الأعجاز العلمي في القرآن .

التطرف السلفي في إسناد إعجاز علمي متوهم للسنة والأحاديث والطب النبوى قوبل بتطرف علماني يستنكر أو يسخر من وجود إعجاز علمي حتى في القرآن نفسه. أي أن الخطأ السلفي ووجه بخطأ أخر، وكلاهما يخاصم العلم وينكر حقائق ثابتة ملموسة .

2- ليس كل الذين يهاجمون الأعجاز العلمي في القرآن الكريم ممن يكرهون القرآن الكريم وينطبق عليهم قوله تعالى "ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ: محمد 9 " ، ولكنهم كلهم ليست لهم علاقة وثيقة بالقرآن ومصطلحاته ومناهجه تمكنهم من فهم إعجازاته العلمية، وهذا ما سنتعرض له في الحلقات القادمة .

وهم مع إنتسابهم للعلم إلا أنهم سطحيون في رؤيتهم العلمية للعلم نفسه، ولكنهم بما يعلمون مغرورون، وليس هذا إتهاما ولكنه توصيف مستمد من القرآن الكريم نفسه .

3- يقول تعالى عن سطحيتهم هم وامثالهم من أكثرية البشر"وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ . يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ : الروم 7:6 " .أى يعلمون مجرد القشور والظواهر من الحياة الدنيا ، أما الأخرة فهم عنها غافلون .

أولئك السطحيون مبهورون بالتقدم العلمي متناسين أننا نستخدم ما نكتشفه دون أن نعلم حقيقته وماهيته شأن كل ما سخره الله تعالى لنا. وللتدليل على ذلك لنبدأ مع الانسان الأول حين إكتشف النار واستخدمها ولا يزال يستخدمها حتى الأن، ولكنه حتى الآن لا يفهم كنه النار وطبيعتها وماهيتها، ولا يعرف مستقرها أو مستودعها، ومن أين أتت والى أين تعود ، ثم استخدم الماء في النقل البحرى وحتى الأن لا يفهم ماهية الماء.

وخلال مسيرة البشرية في تقدمها العلمي أكتشفت الكهرباء والجاذبية والمغناطيس، واستخدم الانسان كل هذا القوى الطبيعية ولكنه لم يصل إلى حقيقة وكنه وماهية الكهرباء والمغناطيس والجاذبية، بل حتى لا يستطيع رؤية أحداها . أي أنهم يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا ...

4- أكثر من ذلك .
أقرب شىء إلى الأنسان نفسه التي تسيطر على جسده وتسيره ... أين هي في الجسد ؟ وما هي؟ ومن أين أتت وإلى أين تمضى عند النوم ، وكيف تعود؟ بل الحياة ذاتها ـ فينا وحولنا ـ تستعصي على التحليل؛ فلا يستطيع أحد تحليل الخلية الحية إلا بعد موتها ، أما (الحياة) ذلك الجزء الغامض فيها الذي به تتحرك وتتكاثر وتتغذى لا يمكن رؤيته .

ينطبق ذلك على أدنى درجات الحياة، وهي تفاعل المركبات الكيماوية في الجمادات إلى الحياة المتوسطة في الفيروسات التي تكون بلورات ثم تتحول بالماء إلى حياة، إلى البكتيريا والجراثيم والفطريات إلى الحشرات وبقية المخلوقات؛ كل هذه الحيوات التي تحيط بنا وتتخللنا لا نعرفها، وإن كنا نتعامل معها ونستخدمها ونحاربها وتحاربنا ...

الله سبحانه وتعالى هو الأعلم بها "أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ : الملك 14". فإذا ذكر الخالق جل وعلا بعض الحقائق عما خلق فإن أكثر الذين لا يعلمون إلا ظاهرا من الحياة الدنيا يسارعون بالإستهزاء والسخرية ...  والناس دائما أعداء ما جهلوا ..

5- وهنا ندخل على سمة أخرى من سماتهم وهي الغرور المقترن بالإستهزاء. الأمم السابقة كان لهم أيضا علم وحضارات ـ ولا تزل لها آثار باقية، وقد أصيبت بغرور العلم وقال تعالى عنهم "فَلَمَّا جَاءتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِندَهُم مِّنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُون :غافر 83".

هو نفس ما نشهده الأن من كتابات بعض السطحيين الذين ينظرون للقرآن الكريم بنصف عين، وبعضهم يصل به الغرور إلى درجة الإستهزاء المشار إليه في الأية الكريمة السابقة، فيتساءل ساخرا عن كلام الهدهد لسليمان وكلام سليمان مع النمل وعن يأجوج ومأجوج وعرش ملكة سبأ..وكل هذا سنتعرض له في حلقات قادمة بعونه جل وعلا..

ولكن هذا يدخل بنا على قضية مفصلية في الإعجاز العلمي في القرآن الكريم، وهي التدرج العلمي في المستوى العلمي للبشر خلال مسيرتهم التاريخية على هذا الكوكب .
وهو موضوعنا القادم .

 
رئيس المركز العالمي للقرآن الكريم بواشنطن
البريد الالكتروني: ahmed.mansour@ahl-alquran.com

 

 

 

نصيحة للرئيس السيسى كى يتخلص من تحكُّم شيخ الأزهر وعصابته الداعشية
القرآن الكريم ليس حمّال أوجه :الحلقة الثانية من : هذا العلماني الضحية ..صريع السلفية
طوبى للمضطهدين في الأرض (على هامش سلسلة مقالات العلماني الضحية)
هذا العلماني الضحية ..صريع السلفية ..!!
صراع الأصوليات !!
التبرك ببول شيخ الأزهر
في إصلاح الثمارالسامة لثقافة التطرف الوهابية فى مصر
دمقرطة الاخوان المسلمين - هل يمكن أقلمة الحركات (الإسلامية؟؟) مع التقاليد الديمقراطية؟
حكاية أول عيد للفطر فى القاهرة
الإعجاز العلمي ومعجزات داود وسليمان عليهما السلام
ابن الحاج العبدري ينتقد الغش في اسواق القاهرة المملوكية
حزب الله وحزب الشيطان
في الرد على شيخ الأزهر ووزير الأوقاف
منكرو الإعجاز العلمي للقرآن وقضية التدرج العلمي
الليل والنهار في الاعجاز العلمي للقرآن
عبادة المسلمين للأحجار
لك يوم يا طبلاوي!
البخاريون والقرآنيون: هذان خصمان إختصموا في ربهم
هل هي مؤامرة لتصفية القرآنيين في مصر؟
الهلاك ومصدر التشريع المصري
فرعون (المسلم) بين الاستبداد والكفر
من هو فرعون موسى؟
حتى لا يتهمك أمن الدولة بازدراء الدين عليك بالكفر بالقرآن والايمان بالبخاري..!!
دولة طالبان المصرية واتخاذ المصريين رهائن

 

الأسم:

 

عنوان التعليق:

 

نص التعليق:

 

 

 

 

Untitled 1  من أنا | لمراسلة الموقع | تسجيل | مساعدة | اتفاقية استخدام الموقع Untitled 1
Copyright ©  2006-2012 aafaq.org . All rights reserved
Powered by hilal net Co.