Untitled 1

 

2019/2/16

 بحث

 

 

تاريخ النشر :19/2/2012 17:22

مثقف سوري لـ"آفاق": ما يجري في سوريا ليس ثورة وغالبية القتلى هم من المسلحين
1

 

1

أجرى الحوار- منصور الحاج

1

في ليلة من ليالي شهر ديسمبر الماضي وأثناء تصفحي للمواقع الالكترونية ومواقع التواصل الاجتماعي بحثا عن الجديد في دنيا الأخبار وخاصة تلك المتعقلة بالثورات العربية المطالبة بالحرية والديقراطية في أكثر من قطر عربي، لاحظت أن صديقي السوري قد سجل دخوله في المسنجر. ألقيت عليه التحية، فرد علي بمثلها ثم عبرت له عن أسفي وحزني على المتظاهرين الذين يُقتلون على أيدي رجال الأمن والشبيحة.

صمت صديقي للحظات ثم فأجأني برد مزلزل قائلا إنه ضد ما يسمى بالثورة في سوريا وأن النظام في سوريا لن يسقط. ظننت لبرهة أنه يمزح لكنه لم يكن يمزح ودار بيننا حوار طويل استمر قرابة الساعتين دافع فيه عن الرئيس بشار الأسد والاصلاحات التي وعد بها وأثنى على المؤسسة العسكرية وهاجم "الهيئة الوطنية للثورة السورية" ووصف قادتها بـ"المتطرفين".

أذهلني موقفه من الأحداث في سوريا ولأنه صديقي ونتفق في الكثير من الأمور طلبت إجراء هذا الحوار معه فوافق شريطة ألا أنشر اسمه فقبلت شرطه وكان هذا الحوار:

ما الفرق بين النظام الليبي واليمني والمصري والتونسي وبين نظام الأسد الذي يستخدم نفس المصطلحات التي كان استخدمتها تلك الأنظمة للبقاء في الحكم والتشكيك في نوايا الثوار؟

ربما أستطيع أن أجيب على سؤالك بسؤال مقابل: هل ترى أن الوضع متطابق في كل هذه البلدان من كافة النواحي؟ هناك اختلافات كبيرة على كافة الأصعدة، لا مجال الآن للخوض فيها ولكن لعل الفارق الأساسي في جميع البلدان التي ذكرتها، هي أن الولايات المتحدة الأمريكية كانت تدعم وتبارك أنظمتها، بينما الحال ليس كذلك أبداً، في الحالة السورية.

لا يمكن، يا أخ منصور، أن نفهم ما يجري على أي من الساحات العربية أو العالمية ونحن نتعمد إهمال وإسقاط العامل الأمريكي والدولي والإقليمي من المعادلة. نكون نخدع أنفسنا إن فعلنا ذلك. الولايات المتحدة قوة عظمى وفاعلة في كل ركن من أركان العالم، ونحن نرى تجليات حضورها في شتى الصور وأينما نظرنا.

لقد رأينا بشكل واضح تردد وتلكؤ الإدارة الأمريكية في دعوة مبارك للتنحي، ولم يقوموا بذلك حتى تمكنوا – مع حلفائهم في الخليج – من احتواء الجيش وضمان – إلى حد معين – أن التغييرات القادمة لن تخرج عن نطاق معين من السيطرة. سوريا ليست من توابع الولايات المتحدة في المنطقة، ولا يمكن لعاقل أن يصفها بذلك.

سوريا تعاني منذ سنوات طويلة من حصار خانق من طرف الولايات المتحدة. حصار يشمل التكنولوجيا و المعاملات البنكية والاستثمارات والتجارة، ولا يمكنك إنكار ذلك إن كنت حريصاً على عدم خداع نفسك.

الولايات المتحدة كانت هي من أنشأ "المجاهدين الأفغان" وتنظيم القاعدة لإنهاك الاتحاد السوفيتي وإسقاطه، وهي تفع اليوم نفس الشيء في دعمها للجماعات المتطرفة التي تعيث فساداً في أماكن مختلفة من العالم العربي والإسلامي، ومنها سوريا. لماذا الاستغراب من التباين بين الحالة السورية وبين الحالات الأخرى؟

عندما يقول النظام المصري في لحظة يأس، أن المتظاهرين يتلقون دعماً وتدريباً من إسرائيل، بينما كان القادة الإسرائيليون يهرولون إلى أوباما ليقنعوه بخطورة التخلي عن "الصديق الحقيقي لإسرائيل،" فهذه محاولة يائسة لاستدرار تعاطف شعبي لا يزال يؤمن بأن اسرائيل عدو، بينما لا يلزم المرء أكثر من لحظة تفكير ليتذكر العشرات من مواقف نظام مبارك التي وقف فيها بجانب اسرائيل، وضد الضمير الشعبي الذي حاول خداعه.

ثم أن القيادة السورية لم تستخدم "نفس المصطلحات،" بل إن الرئيس السوري اعترف مرات عديدة – وحتى قبل احتجاجات 2011 – بوجود حاجة ملحة لإصلاحات حقيقية تشمل كل مفاصل الدولة، وقد قدم خطة مفصلة تشمل إصلاحات حقيقية في قوانين الأحزاب والإعلام والإدارة المحلية والانتخابات، والروابط موجودة هنا، وهي علنية وشفافة ومتاحة لكل من يريد الاطلاع عليها.

من ضمن هذه الحزمة الإصلاحية المهمة التي قدمت كانت إعادة كتابة الدستور بالكامل، وهي العملية التي تستكمل حالياً بحيث نشرت مسودة الدستور الجديد وستعرض على مجلس الشعب ثم على الاستفتاء العام لإقرارها. ويمكن للمراقب المنصف أن يرى أن هذه الحزمة من الإصلاحات هي جدية ولا يمكن أن توصف بأنها تجميلية بأي شكل من الأشكال. فمثلاً في الدستور، تم إلغاء المادة الثامنة بحيث لم يعد لحزب البعث أية ميزة خاصة كما كان في السابق، وصار بإمكان أي من الأحزاب ترشيح أعضائه لكافة المناصب و منها رئاسة الجمهورية.

أنا وغيري نلوم النظام على التأخر في الإتيان بهذه الإصلاحات، وهناك بلا شك مراكز قوى متصلبة – خاصة لدى حزب البعث – قاومت التغيير وقاومت فقدان مزاياها. هذا التأخر يبتدئ – في نظري – من عام 2009، وليس من قبل، إذ أن النظام السوري كان يواجه معارك خارجية جدية قبل ذلك، من غزو العراق، إلى تداعيات اغتيال الحريري، إلى حرب 2006، إلى غير ذلك، ولم يرتح نسبياً إلا في العام 2009، بعد خروج بوش وصقوره من البيت الأبيض. نعم كان هناك تأخير ويلامون عليه، لكن هذا لا يعني أن البديل هو بإسقاط النظام بأي ثمن.

بالعودة إلى سؤالك، هناك فروق عديدة ومهمة وجوهرية. سوريا دولة مواجهة مع إسرائيل، وهي لا تزال بحالة حرب معها، وهي بالتالي في حالة عداء مع الولايات المتحدة، بل ومع "حلفاء" الولايات المتحدة وتوابعها من الدول العربية والإقليمية.

لا يمكن التعلل بأن جبهة الجولان صامتة منذ ثلاثين عاماً والاستنتاج بالتالي بأن ليست هناك حالة حرب. هذا الكلام غير صحيح. السياسة السورية لا تعتمد على البهرجات الإعلامية، بل وتتجنبها بإصرار، لأنها تعلم أن العرب حولها سيكونون أول من يطعنها في الظهر في حالة اشتباكها في حرب غير محسوبة بدقة شديدة. خلال هذه الفترة الزمنية، وباستخدام الامكانات المحدودة المتوفرة لديها، كانت سوريا تبني قدراتها بصمت و صبر، وهي قدرات لا يستهان بها.

لست أنا من يشكك بنوايا "الثوار،" بل إنه لا توجد جهة واحدة تمثل "الثورة" وتتحدث باسمها أصلاً. وإذا نظرنا إلى ما يسمى بالهيئة الوطنية للثورة السورية (وهي ليست الجهة الوحيدة التي تتحدث باسم "الثورة" لكنها الأعلى صوتاً) نجد أن قادتها هم من المتطرفين الذين يعيشون خارج سوريا، وطروحاتهم حدية جداً وغير واقعية، حيث يريدون اقتلاع النظام من جذوره، و"إسقاطه إلى آخر رجل" كما أفادت بيانات برهان غليون، ويرفضون الحوار مع النظام بالمطلق، ويريدون تغيير العلم وتغيير النشيد الوطني وتغيير التركيبة السكانية في بعض المناطق وتغيير التحالفات الدولية وتغيير التموضع الإقليمي وتغيير العقيدة العسكرية، وتغيير الهيكلية الاقتصادية.

بمعنى آخر يريدون قلب البلد رأساً على عقب دون أي شعور بالمسؤولية، وهذه المطالب، ناهيك عن كونها شديدة الحدية، لن يمكن تحقيقها دون تدمير البلد والدولة والمجتمع، ودون أن تسيل أنهار من الدم، وهذا ما لا يمكن أن أقبله كسوري.

انت تنتمي للطائفة العلوية كما أعرف .. هل خوفك من تتعرض طائفتك لعمليات انتقامية في حال تم إسقاط النظام البعثي هو ما يدفعك للوقوف مع النظام ضد مطالب الشعب؟

أنا أنتمي لطائفة واحدة هي الطائفة السورية، وفي دمي، وأفراد أسرتي، كما في ثقافتي، خليطٌ من الألوان التي تلون المجتمع السوري وتكونه، وهذا كلام حقيقي و ليس مجازياً.

لكن أنا لدي تحفظ على سؤالك، وسأبينه لك. أنت مثلاً يا أخ منصور تكتب منذ فترة طويلة عن معاناة المواليد في المملكة العربية السعودية، وأنت منهم، وهم أبناء الجاليات الأجنبية الذي ولدوا وتربوا، وربما لأكثر من جيل أو جيلين، داخل المملكة، دون أن ينالوا حق الجنسية الذي تمنحه كافة دول العالم لمن يولد على أرضها. هل تقبل أن أستغل العنصرية الموجودة في البلاد العربية، ولدى الشباب العربي ضدك، لأنال من مصداقية الطرح الذي تطرحه؟ هل تقبل أن أفرزك عنصرياً لأسجل ضدك نقطة تحت الحزام، بغرض النيل من مصداقية سعيك ونضالك ورأيك وحججك التي تقدمها؟

هذه التصنيفات، عنصرية كانت أم طائفية أم مذهبية، لا يتأتى منها سوى الضرر والتهتك الاجتماعي، وهي ليست وليدة البارحة، ولم يخلقها حزب البعث ولا غيره، بل هي تركة تاريخ طويل مليء بالدم والقهر والظلم، ومن المعيب جداً أن نستخدمها لنسجل نقاط ضد حجة من يحاورنا.

إن سؤالك يبدو وكأنه يستثمر حالة الاصطفاف الطائفي التي تعمل جهات معروفة على تهييجها وتكريسها واقعاً في البلاد العربية منذ سنوات عديدة. نعلم جميعاً أن الواقع العربي، والمشرقي تحديداً، لم يكن يوماً متعافياً بالكامل من المرض الطائفي. ولكن منذ توفر تقنيات البث الفضائي منذ ما يقرب من الخمسة عشر عاماً وحتى اليوم، فإن عدد ساعات التحريض الطائفي المنفلت، هي في ازدياد مضطرد، وكلها تقريباً منشأها وتمويلها وتوجهها خليجي نفطي.

ويؤسفني أن أن أقول أن هذا التوجه وهذا الضخ المالي الهائل قد نال نصيباً كبيراً من النجاح، بحيث بات لدينا فعلاً جيل جديد يحمل المرض الطائفي معه بشكل حاد ومخيف. هناك الآلاف من الأمثلة، والبث متاح يوميا بمئات الساعات على الهواء، ومجموعها ملايين الساعات المليئة بالكراهية المنفلتة، ويكفيك أن تبحث على اليوتيوب لترى العجب العجاب من خطاب الكراهية المخزي والمخجل أمام الله وأمام التاريخ وأمام الأمم.

لقد وصل الحال ببعض الناس أنهم صاروا يتعبدون الله بهذه الكراهية ويتقربون بها إليه. وبلغ بهم العماء الفكري أنهم يرون أن هذا الخطاب المنفلت هو في مكانه الصحيح، لا يرون فيه أي حرج ولا خلل. هذا الضخ المجنون، والذي ستدفع الأمة الإسلامية فاتورته الدامية يوماً ما، لنكن على ثقة من ذلك - إلا أن يتولانا الله برحمته - قد نجح في استقطاب عقول الشباب بحيث صار كافياً أن تقول عن فلان أنه شيعي أو رافضي، لتدمر مصداقيته بالكامل، ولتمنع جمهورك المستلب من الالتفات إليه نهائياً.

بمعنى آخر، هذا الضخ، نجح في حرمان جمهورك من الرأي الآخر وبالتالي نجح في حرمانه من الحوار ومن التفاعل السلمي الحضاري، وأي شيء يبقى لنا إن فقدنا الحوار؟ هذا الزخم الجارف وصل إلى درجة من القوة أنه صار يستثمر في توجيهه حتى على أكابر علماء السنة الذين لا يوافقون "ولي الأمر" في توجهاته، فلا يجاهرون بكراهية الشيعة أو يتجرأون على الدعوة للحوار العقلاني معهم وسأذكر منهم فقط الدكتور محمد سليم العوا، حفظه الله، حيث صار يوصف بأنه شيعي رافضي فقط لأنه يبنى فكراً مستقلاً، غير قائم على الاحتقان الغالب على الساحة اليوم.

أكرر لك بأن موضوع الإعلام، والموضوع الطائفي هما موضوعان هائلي الحجم، ولا يمكن اختزالهما بسطور قليلة، ولكن الخلاصة هي أن هناك اليوم مزاجاً عاماً يستمرئ الحديث الطائفي ويستسهله ويخوض فيه دون تحفظ، وهو من التأثير بحيث صار يكفي أن تتهم فلاناً بالتشيع لتنسف كل منطقه وكل كلامه، وأنا أخشى أن يكون توصيفك لي هو من هذا الباب، بحيث يقرر القارئ أنه ما من حديث هنا يستحق الاهتمام، وهو أمر مؤسف لو كان كذلك.

وفي كل الأحوال، وبغض النظر عن شخصي، فأنا لست وحيداً في خوفي على مستقبل سوريا من القوى اللاعقلانية التي تعصف بالشارع اليوم، والتي ينضوي جزء كبير مما يسمى بالثورة السورية، تحت جناحها. هذه القوى اللاعقلانية لا تخيف فقط أبناء الطوائف المستهدفة بخطاب الكراهية المذكور، بل تخيف أيضاً المجتمع ككل في سوريا، وبشكل خاص المرأة. وقد رأينا ما بدأ يظهر من تجليات هذه القوى في ليبيا وتونس ومصر التي يجمعها فيما الهوس المعهود بكل ما يتعلق بالمرأة ولباسها ومظهرها وتفاصيل كيانها، وهي تجليات مقلقة لشرائح عريضة وعميقة من مكونات المجتمع السوري بكل أطيافه بلا استثناء.

وإضافة إلى ذلك، فقد شهدت بشكل مباشر عدة مواقف شخصية مقلقة بالفعل، فمثلاً، دار بيني وبين صديق عزيز علي، كان صديقي المقرب لأكثر من خمسة وعشرين عاماً حوارٌ في بداية الأزمة، قلت له فيه "أنتم تريدون من الدولة أن تلغي القانون 49 القاضي بإعدام من ينتسب لحركة الأخوان المسلمين، وأنا أؤيد إلغاء هذا القانون، ولكن هل تقبلون أنتم بإعلان التبرؤ من فتاوى ابن تيمية بخصوص العلويين، والتي تدعو صراحة إلى قتل رجالهم، وسبى نسائهم و أموالهم؟" والمعلوم أن فتاوى ابن تيمية تعتبر مستنداً مهماً من مستندات خطاب الكراهية السائد اليوم، وهي فتاوى مخيفة ومشبعة بالكراهية وثقافة الإلغاء إلى درجة أنه يرى أن "الرافضة" لا تُقبل توبتهم.

بمعنى أن ليس من حل مع من يولد في الطائفة الخطأ سوى القتل والسبي والإلغاء الكامل، حكماً مبرماً من يوم ولادة التعس. فقال لي صديقي العزيز، الذي كان بيني وبينه خبز وملح وأيام جميلة من أيام الشباب، قال أنه يرى أن ابن تيمية كان على حق، وأن فتواه يجب أن تفعّل، لا أن تلغى!

وفي حادثة أخرى، كنت أتكلم مع شاب وصديق كان يعمل تحت إدارتي في يوم من الأيام، وكنت أعامله كأخي الأصغر وكانت علاقتنا ممتازة، فقلت له هل ترى أنه يحق للثوار أن يوقفوا الباصات العامة، فينزلوا الناس منها ويفرزوهم، ثم يأخذوا العلويين فيذبحونهم بالسكاكين كالخراف مع التكبير والتهليل و الابتهال إلى الله؟ فقال لي نعم، يحق لهم ذلك.

كررت عليه السؤال مرات وكرر الإجابة مرات. فهؤلاء يا أخ منصور، كانوا أصدقائي، ولكن بلغ بهم الهيجان الطائفي اللاعقلاني، درجة صاروا معها يتبنون الجريمة الطائفية جهاراً نهاراً في وجه من كان صديقهم. فإن كان أصدقائي الذين اعتبرتهم كإخوتي يوماً يفتون بقتلي ويفعلون ذلك في وجهي، وأنا لست في أي موقع من مواقع السلطة حتى، ولم أكن يوماً، فهل تعيب علي وعلى القطاعات العريضة من المجتمع السوري أن نخاف من انفلات هذه الغرائز الهائجة، اللاعقلانية في المجتمع؟

وأريد أن أصحح تعبيراً ورد في سؤالك، فأنا لا أقف "مع النظام ضد مطالب الشعب،" فأنا وغيري من المؤيدين من هذا الشعب الذي تتحدث عنه، وهناك الكثيرون منا، والجزء الأكبر من الشعب السوري ليس مع مطالب هؤلاء الثلة بإسقاط النظام عنوة هكذا وبأي ثمن.

أنا أقف مع الشعب الذي يريد الإصلاح ويرفض الفساد، ولكن في نفس الوقت لا يريد للفوضى الدموية أن تعم البلاد وتغرقها في جحيم من الاحتراب الأهلي والدم الذي لا يتوقف.

أنت تقول أن غالبية الشعب مع النظام والدليل مسيرات التأييد التي خرجت تهتف بالروح والدم نفديك يا بشار في العاصمة دمشق لكن ألا ترى أن تلك المسيرات لا تخلتف عن المسيرات المؤيدة للنظام الليبي التي يجبر فيها رجال الأمن الموظفين على الخروج وتأييد النظام؟

أنا قلت أن غالبية الشعب السوري هم مع خيار الإصلاح الملح، وليسوا مع بقاء الأحوال على ما كانت عليه، ولكن هذه الأغلبية ليست مع خيار الفوضى والتدخلات الخارجية والاحتراب الأهلي، وهي البدائل الفعلية لخيار الإصلاح، ولذلك يخرجون للشوارع تأييداً. ثق تماماً أن لا أحد ممن يؤيد الرئيس راض عن الأخطاء الموجودة في تركيبة النظام وفي أدائه الداخلي، ولكن ذلك لا يعني أن نسعى بأقدامنا نحو الخراب المؤكد.

نحن نعيش داخل هذا البيت، وهو بحاجة لترميم مستمر وإصلاح، ونعم به عيوب، ولكن به مزايا أيضاً، وسأذكر فقط واحدة من هذه المزايا وهي أن الناتج القومي الإجمالي في سوريا ارتفع من 19.9 مليار دولار في العام 2000 عندما تولى الرئيس بشار الأسد السلطة إلى 68.3 مليار دولار عام 2011 بحسب موقع ويكيبيديا، بينما ارتفعت نسبة الفرد من الناتج القومي من 1203 دولار إلى 3050 في نفس المدة، بحسب نفس المصدر. نعم، قد تكون لا تزال أرقاماً متواضعة اذا ما قارنتها بالدول النفطية، ولكنها ترتفع بنسب مشجعة وبشكل مطرد.

بالعودة إلى سؤالك، في مصر، لم يتمكن النظام السابق من حشد أكثر من بضعة آلاف من المؤيدين، بينمت كانت التظاهرات المناوئة بمئات الآلاف، وأحيانا بالملايين. بينما في سوريا فالصورة مقلوبة، فمن الواضح تماماً أن الأعداد التي كانت ولا تزال تخرج في المسيرات المؤيدة هي أكبر بكثير من الأعداد التي تخرج في المظاهرات المناوئة. وفيما تمتليء المسيرات المؤيدة بالفئات العمرية والاجتماعية المختلفة، إضافة إلى حضور نسائي كبير، نجد أن المظاهرات المناوءة تقتصر على فئة عمرية واجتماعية ضيقة جداً (ذكور حصراً، أعمار شبابية أو مراهقة حصراً، مناطق بعيدة عن المراكز السكانية الكبرى حصراً).

انظر إلى صور المسيرات المؤيدة، وسترى أن فيها الشباب والسيدات والأطفال، وكلهم يشاركون بحماس ظاهر لا يمكن أن يكونوا مجبرين عليه. أنا لا أنكر أن هناك معارضة تنام وتصحى وتقتات على كراهية النظام، ولكن خطاب هذه المعارضة، وهو نفس الخطاب الذي يتبناه سؤالك، هو الذي ينكر تماماً أن هناك من يؤيد النظام والرئيس بشكل خاص، وهذا مغاير للحقيقة وخداع للذات.

الحقيقة الجلية هي أن هناك طريقة وحيدة لقلب النظام، وهي التجمع السلمي لملايين المواطنين المطالبين بإسقاط النظام، مع خلاء الساحات من تجمعات مقابلة مؤيدة. لو اكتمل هذان الشرطان، لانتهى النظام خلال أيام قليلة، ولوجدتني أسلم بالأمر الواقع. ولكنه وبكل بساطة، لم يحصل. لم يحصل على الإطلاق! ولم يتحقق حتى شرط واحد من الشرطين المذكورين، ولا يمكن لأحد يحرص على رؤية الواقع كما هو، لا كما يتمنى له أن يكون، أن ينكر ذلك.

لا تستطيع أية قوة عارية أن تقف بوجه شعب بأكمله لو أراد التغيير، ومن الوهم وخداع الذات أن نقول أن كل الشعب السوري يريد قلب النظام. هناك مسيرات مؤيدة جرت أيام الجمع، وأيام العطل، فلا يمكن أن نقول أنهم موظفون، وأصلاً هذه الأعداد الكبيرة لا يمكن أن تكون موظفين في الدولة. وقد أخبرني أصدقائي في حلب ودمشق أن الناس التي لم تكن تنزل من قبل صارت الآن تنزل للتعبير عن غضبها من الصفاقة القطرية والعنجهية التركية (التي انكفأت الآن).

ألا يقول جماعة "الثورة" أن حاجز الخوف قد كسر؟ عظيم جداً! فإن كان حاجز الخوف قد كسر، وأنا مسرور لذلك، فما الذي يدفع بمئات الآلاف من الناس إلى الشوارع – خوفاً - لإظهار تأييد هم لا يشعرون به؟ أليس حاجز الخوف قد كسر؟ كل هذه الملايين تنزل خوفاً؟ وما الذي يدفع بهم إلى ترديد الأناشيد الوطنية المحببة لدى الشارع السوري كله؟ ما الذي يدفع بهم إلى النزول بنسائهم و أطفالهم؟ هل يعقل أن يكون كل هذا بالتهديد؟ والذين لم ينزلوا ماذا حل بهم؟ هل قتلوا أو صفوا كما يدعي كذابوا "الثورة؟" لم يحصل طبعاً.

هل لاحظت أن المظاهرات المؤيدة التي خرجت في مونتريال مثلاً، كانت أكبر بعدة أضعاف من المظاهرات المناوءة؟ هل يعقل أن السوريين الكنديين موظفون لدى النظام كذلك؟ لا يعقل يا سيدي لا يعقل، مهما مارسنا من التفكير بالتمني، ومهما أغرقنا في الومنسية، فحالة الثورة غير ناضجة في سوريا كما وصفها الأستاذ محمد حسنين هيكل، ولا يوجد هذا التأييد المزعوم للانقلاب، ولو ملأت فضائيات الزفت العالم كله صراخاً كاذباً.

لا يوجد في سوريا ما يمكن أن يسمى ثورة، بالمفهوم التاريخي. يوجد فوران، يوجد غضب في بعض المناطق ولدى بعض الشرائح، يوجد تململ من الفساد والممارسات الخاطئة لبعض المسؤولين، ويوجد بالفعل نسبة من الشعب تريد إسقاط النظام، ولكنهم ليسوا الأغلبية. ثق تماماً لو أنهم كانوا الأغلبية لما تمكن لا جيش ولا أمن ولا فرقة رابعة ولا عاشرة ولا أحد من الوقوف في وجههم، ولكن الصورة التي يرسمها الإعلام كاذبة. ومهما كانت الصورة الرومنسية التي يحاول منظروا "الثورة" رسمها تطرب البعض، فهي لن تغير من الواقع شيئاً.

أعرف أنك من مؤيدي حزب الله اللبناني لموفقه المقاوم وإعجابك بزعيم الحزب حسن نصر الله .. الآن بعد تناقص شعبية الحزب وزعيمه بسبب دعم الحزب لنظام بشار الأسد على عكس موقفه من الثورات العربية الأخرى .. ألا يهز هذا التناقض ثقتك بحزب وشعاراته؟

يا سيدي، إن مواقف الحزب لم تكن يوماً إلا مشرفة لكل عربي ولكل مسلم ولكل شريف في العالم. هذا الحزب الذي تمكن من بناء منظومة مقاومة فعالة، تمكنت من دحر الاحتلال الإسرائيلي المباشر لجنوب لبنان عام 2000، ومن تكبيد الاحتلال خسائر كبيرة خلال حرب 2006، وكل ذلك بأعداد صغيرة من المجاهدين وبإمكانيات هي جد بسيطة، بالقياس إلى الدول المنتفخة بالنفط والغاز والتي تصمت صمت القبور عن اغتصاب فلسطين وقهر الشعب الفلسطيني وقتله وتهويد القدس.

شعبية الحزب لم تتناقص بسبب دعمه للنظام، بل بسبب التحريض ضده على أساس طائفي منذ سنوات عديدة. وقد كنا نسمع التحريض السافر ضده أثناء حرب 2006 وأثناءها وبعدها، ولم يتوقف هذا التحريض ولا يوماً واحداً. وإذا سألنا أنفسنا عن سبب هذا الضخ الفظيع ضده، فإننا لا نجد تفسيراً منطقياً واحداً، ولكن من قال أن المنطق هو الذي يصنع الواقع؟

من كان معجباً بالحزب وبمنهجه المقاوم وخطابه المتزن لم ينقص إعجابه به مؤخراً. ومن كان يتحرق غيرةً من مكانة الحزب لدى الشارع العربي عامة، ويكتوي بنار الحسد من حسن تنظيم الحزب وانضباطه ومكانته، لم تزدد كراهيته له مؤخراً، لأن لا مجال لزيادة ما قد وصل إلى حده.

الأمين العام لحزب الله حدد موقف الحزب بشكل دقيق. قال أنهم مع تلبية مطالب الإصلاح بما يرتقي بالحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية للمواطن السوري، ولكن المطلوب عالمياً وعربياً هنا ليست تلك الحقوق، بل المطلوب تحويل سوريا من موقع إلى موقع آخر مناقض تماماً، وهو ما لا يقبله لا الحزب ولا المواطن السوري. الكلام موجود، ولكن أين من يسمع؟

قلت لك في سؤال سابق أن الخطاب الطائفي الكريه الذي يلفح عقول الناس كريح الخماسين منذ سنوات قد حقق نجاحاً لا يستهان به، وهي وصمة عار في تاريخنا أننا أمة، تغتال أبطالها.

يحاول النظام السوري بقوة الاثبات للعالم بأن الثوار جماعة إرهابية مسلحة وقد استخدم وزير الخارجية وليد المعلم تسجيلا مصورا ثبت لاحقا أن أحداثه دارت في لبنان وليس في سوريا لماذا برأيك لم يتمكن النظام حتى الآن إثبات دعواه ولماذا يلجأ للكذب لتشويه صورة الثوار السلميين؟

في الحقيقة، أن أكثر من يلجأ للكذب هم جماعة الثورة، وقنوات الجزيرة والعربية. لقد أورد فيديو وزير الخارجية عدة لقطات، كانت واحدة منها بالخطأ لمعسكرات في لبنان، نعم، ولكن كل الباقي كان في سوريا فعلا، فلماذا تتعمد إهماله؟ قد تحصل أخطاء في البيانات الرسمية، فهذه نسخة من قائمة الجامعة العربية بأسماء الممنوعين من السفر من كبار المسؤولين السوريين، وهي مليئة بالأخطاء في الأسماء والرتب العسكرية، بل أن اللواء رستم غزالة أضيف الى اسمه لقب "أبو شحاطة" مما أثار سخرية كل السوريين على هذا الخطأ السخيف من مؤسسة مثل جامعة الدول العربية، لكن لا يجب أن نحمل الخطأ أكثر مما يحتمل.

وزير خارجية قطر يقول أن من قتل في البحرين لا يتعدى ثلاثة أو أربعة أشخاص، وهو كذب، وليس فقط خطأ، فلماذا لا تقول عليه قيامة الإعلام العالمي؟ الخطأ الوارد في فيديو وزارة الخارجية لا ينفي أن الجوهر صحيح وأن باقي الفيديوهات العديدة صحيحة، وأن هناك بالفعل مسلحين يحملون السلاح في وجه الدولة.

القيادة السورية لم تنفي أن هناك سلميين، وقالت في أكثر من موضع أن من حق هؤلاء التظاهر السلمي والتعبير عن رأيهم بدون تخريب للمرافق العامة أو تهديد للمواطنين. ولكن إصرار غالبية المتحدثين باسم "الثورة" على نفي وجود مسلحين مناوئين للنظام، هو موقف منافق. فمن ناحية تجد صفحات "الثورة" مليئة بالتفاخر بما يسمى بالجيش السوري الحر، ومن ناحية أخرى تجد أن المتحدثين باسم "الثورة" يصرون على الطابع السلمي المحض لتحركهم، و هذا تناقض صارخ.

نعم، هناك قسم ممن يطالبون بإسقاط النظام ممن هم ملتزمون فعلاً بالعمل السلمي، ولكنهم وبكل صدق أقلية مثالية ولا يمثلون النسبة الغالبة من مادة "الثورة". بينما هناك، ومن اليوم الأول، نسبة غالبة ممن يريدون تغيير النظام بقوة السلاح وباتباع تكتيكات إرهابية، وسوف أعطيك بضعة أمثلة:

هذا فيديو من شهر حزيران/يونيو يبين ضحايا مجزرة جسر الشغور من الأمن، الذين تمت محاصرتهم في مباني حكومية ومن ثم قتلهم بشكل بشع (ولكن سلمي بالتأكيد) بعدما نفذت ذخيرتهم.

وهذا فيديو يبين بعض الثوار (السلميون جداً) يرمون بعض ضحاياهم في نهر الرستن قرب حماة، مع نداءات واضحة بعدم تصوير الوجوه، وشتائم لعناصر الأمن المقتولين، طبعاً مع التكبير.

وهذا فيديو يبين بعض الثوار الشجعان يقطعون، بشكل سلمي وحضاري ووسيم، جثة رجل أمن، مع التكبير والتفاخر بهذا العمل الخارق.

وهذا فيديو يصور ثوار سلميون يقومون بالتمثيل بجثة رجل أمن (وقيل أنه موظف بالبلدية) في حماة قبل أشهر. وهذا فيديو آخر من نفس العيار.

وهذا فيديو آخر (مرفق مع الإيميل) يصور عملية ذبح بالسكين لشابين في ريف حمص أو حماة في شهر أكتوبر، لاحظ التكبير والكلام المترافق مع عملية الذبح. وللعلم، فقد انتشرت نسخة أخرى ممنتجة عن نفس الفيديو، ولكن بصوت مركب بشكل ردئ، لجعل العملية تبدو أنها من تنفيذ مؤيدي الرئيس، ويمكنك الاطلاع عليها والحكم بنفسك من الأصل ومن الكذب. النسخة المرفقة هي الأصلية، وعملية القتل بهذا الشكل هي من بصمات القاعدة وأشباهها، وهي غريبة تماماً عن الواقع والتراث السوري.

وعلى كل حال فالأمثلة كثيرة، ومثل هؤلاء الثوار لا يحتاجون لمن يقوم عنهم بتشويه صورتهم، فهم خير من يفعل ذلك.

كيف تنظر إلى الاحتجاجات اليومية في مختلف المدن والقرى السورية التي تطالب بإسقاط النظام ومشاهد القتل اليومية التي وصلت حتى الآن إلى 5000 قتيل منذ اندلاع الثورة؟

أنظر إليها بحجمها الحقيقي وبنسبتها الحقيقية التي لا تمثل غالبية الشعب السوري. لا أنكر وجودها، ولكن أضعها في حجمها الحقيقي المحدود، وليس في الحجم الخرافي الكاذب الذي تدعيه قناة الجزيرة وأخواتها. وأنظر كذلك إلى مسيرات التأييد لدى قطاعات واسعة من الشعب السوري التي ترفض الفوضى وترفض التدخل الخارجي وتريد أن يأتي الإصلاح من الداخل، وترفض العودة للوراء. وأما ما تسميه بـ"بمشاهد القتل اليومية" فهو تعبير مخادع لأنه يوحي بمشهد غير حقيقي.

المشهد الحقيقي في تصوري، هو أن هناك شرائح مختلفة للحراك الحاصل حالياً في سوريا، منها ما هو سلمي وهو الأقلية، ومنها ما هو مسلح وعنيف وإرهابي وهو في تصوري الصورة الغالبة.

هذه المجموعات المسلحة تقطع الطرق وتخطف وتقتل وتهاجم المراكز الأمنية والمباني الحكومية وتغتال مواطنين على الهوية وتغتال أطباء ومهندسين وطيارين، وفي المقابل تواجهها قوى من الأمن ومن الجيش وتشتبك منها وتقتل منها.

لقد سقط من الجيش والشرطة وقوى الأمن عدد كبير من الشهداء، تبث القنوات الرسمية السورية أسماءهم الكاملة ورتبهم بالتفصيل ومحافظاتهم وأماكن استشهادهم، وصورهم، وصور جنازاتهم وفيديوهات مقابلات مع أهاليهم، ولكن لا تلتفت لها لا قناة الجزيرة ولا العربية، ولا القنوات العالمية ولا تريد الاعتراف بهم، وهم من خيرة أبناء الشعب السوري. بينما يكتفي ما يسمى مرصد حقوق الإنسان السوري ومركزه لندن ومديره غير مستقل وهو طرف في هذا النزاع وهو من الأخوان المسلمين بسرد أرقام يومية "للقتلى المدنيين" غير مدعمة لا بأسماء ولا بأية وثائق أخرى، فتسارع كل وسائل الإعلام المعادية إلى تبنيها دون أن مساءلة، وتصر على الادعاء بأن كل الضحايا كانوا مدنيين عزل وهو ادعاء كاذب.

لا شك لدي أنه قد سقط أبرياء في هذه الفوضى الحاصلة، ولكن قناعتي هي أن الغالبية العظمى ممن يسقط هم ممن يحمل السلاح ضد الدولة ومن قوى الأمن التي تواجههم.

ذكرت رقم الخمسة آلاف قتيل، فكيف حصلت على هذا الرقم؟ الأرقام تأتي من مصدر واحد فقط هو طرف "الثورة" والإعلام يمارس تعمية منحازة بشكل سافر إلى طرف واحد من أطراف النواع، فكيف يمكن لأي منا أن يعرف الأرقام الحقيقية لمن يسقط؟ تقييد الدولة لحركة الإعلام الأجنبي على أرضها لا يعني بالضرورة أن كل ما يقوله هذا الإعلام صحيحاً، ولا يعني أن ادعاءات ذلك الإعلام صحيحة أو حيادية. نشعر بالألم لكل حياة تفقد، ولكن الألم يجب ألا يدفعنا إلى التخلي عن العقلانية وعن المحاكمة للمشهد المعقد الذي يتفاعل أمامنا.

برأيك لماذا لا يسمح النظام السوري لأجهزة الاعلام العالمية بتغطية الثورة في سوريا ونقل الحقائق للعالم؟

ليست سوريا هي الدولة الوحيدة التي تقيد عمل الإعلام الذي تراه معادياً. فمثلاً، المملكة العربية السعودية تمنع عمل معظم وكالات الأنباء العالمية على أراضيها أو تقيدها تقييداً شديداً، وكذلك كل الدول العربية. وحتى الولايات المتحدة، تمنع عمل قناة الجزيرة القسم العربي ولا تسمح بحملها حتى اليوم على أي من شبكات الكيبل أو الساتلايت العاملة فوق أراضيها، كما تمنع قناة المنار وقناة الدنيا وغيرها من القنوات، بل وتجرم من يتعامل معها وهذا يحدث في ما يعتبر منارة الديموقراطية في العالم. وحتى عندما كانت تحتل العراق بشكل غير قانوني، كانت تمنع القنوات التي تراها معادية من العمل على الأراضي التي تحتلها بشكل غير قانوني! بل إن الولايات المتحدة ابتدعت طريقة جديدة في العراق وهي الصحفيون من الباطن، إن صح التعبير (embedded reporters) ولم يكن يسمح لهؤلاء بالتجول ولا بتصوير ولا مقابلة إلا من يسمح لهم جيش الاحتلال بذلك، ومع ذلك، بلعت تلك القنوات العالمية شرفها المهني بل وتفهمت دواعي جيش الاحتلال.

القوانين تتغير عندما يكون هناك نزاع جوهري بهذا الشكل، وبخاصة عندما يكون الإعلام الذي تسميه عالمياً، سافر العدائية بالشكل الذي نراه ضد الدولة والمجتمع السوري. ولننظر قليلاً إلى أداء هذه القنوات "العالمية" وسنرى أنها تتميز بانحياز سافر ضد قضايا جوهرية في العالم العربي. فمثلا قبل شهر، عند إتمام عملية تبادل الأسرى الفلسطينيين مع الأسير الإسرائيلي، ركزت التغطية الأمريكية والكندية والأوروبية على مشاعر الإسرائيليين المجروحة من إطلاق هذه الكمية من "الفلسطينيين الإرهابيين" من السجون، ولم تقابل أي من هؤلاء الأسرى وكأنهم لا أسماء ولا عائلات ولا قصص تستحق أن تنشر لهم، بينما أغرقت الجندي الإسرائيلي المحرر وعائلته وجيرانه بالمقابلات.

ما رأيك بهذه التغطية العادلة "العالمية" والتي تقيم وزناً لحياة الإنسان العربي؟ وفي مثال آخر، قامت مجلة فوغ، قبل سنة تقريباً بعمل مقابلة مع السيدة أسماء الأسد في دمشق، وأظهرت جانباً من أعمالها الخيرية و حياتها الأسرية، وقامت القيامة ولم تقعد على تلك المجلة فقط لأنها تجرأت وأظهرت جانباً إيجابياً في رئيس هو في نظر تلك الصحافة من المغضوب عليهم، حتى اضطرتها إلى سحب المقال والاعتذار عنه.

الإعلام المعادي غير مرحب به في سوريا و إعلام الجزيرة والعربية وصفا وأمثالها ليس فقط معادي، بل انه وصل إلى مستويات غير مسبوقة من التحريض وتهديد السلم الأهلي في سوريا. وقد أخبرني أحد الأصدقاء من مدينة حمص، أن الناس في حمص يشاهدون خطابات العرعور الموتورة ليعرفوا ماذا سيحدث في اليوم التالي، حيث يبث تعليماته على الهواء مباشرة، وينفذها المسلحون في اليوم التالي على أرض الواقع.

لا يمكن لأي دولة في العالم أن تسمح بدخول إعلام معادي مثل ذلك الإعلام إلى أرضها. تخيل مثلاً، أن تقوم قناة عربية بالتحريض العرقي للسود ضد البيض في الولايات المتحدة، أو للهسبانك ضد اللآسيويين، أو للكاثوليك ضد اليهود. تخيل أن تستضيف أناس يدعون إلى فرم الجمهوريين بمفارم اللحم، أو أن تهدد البروتستانت جملةً بالقتل والإبادة إن لم يسيروا في مشروعك السياسي، أو أن تحرض على محق طائفة كاملة وإبادتها إبادة كاملة، من قنوات تبث إلى الداخل الأمريكي.

ماذا برأيك يمكن أن تفعل الولايات المتحدة لجهة قد تستهدف أمنها الاجتماعي وسلمها الأهلي بهذا الشكل؟ لا يوجد أي دولة في العالم يمكن أن تقبل ذلك. وفي المقابل، لا توجد أية قناة سورية رسمية تحرض تحريضاً معاكساً ذا طابع مذهبي أو طائفي أو عرقي، وأتحداك أن تثبت عكس ذلك، فالنظام السوري أكثر مسؤولية بكثير من دول المنطقة التي تظن أنها بإغراق المنطقة بهذا المستوى الجنوني من السعار الطائفي، إنما تشتري لنفسها بضعة سنوات أخرى من الحياة.

هناك بكل تأكيد قنوات عالمية تدخل إلى سوريا، وهناك مراسلون يدخلون ويكتبون وهذا روبرت فيسك – وهو معروف عنه كراهيته للنظام السوري – يكتب عن الحرب التي يتعرض لها الجيش السوري وعن الوطنية الحقيقية التي رآها في عيون أهل شهداء الجيش. وهناك غيره كثيرون ولكن أيضاً هناك صخب إعلامي عال من القنوات الكبيرة ربما يطغى على الأصوات الأخرى.

لماذا لا تزال ترى إن بالإمكان إصلاح النظام في الوقت الذي يطالب الآلاف بإسقاطه ومحاكمة المتورطين في قتل المدنيين؟

لأن أي توجه آخر هو تهور أرعن ومغامرة مجنونة ذات نتيجة أكيدة بخراب البلد واحتراب أهلي طويل الأمد وربما كسر البلاد وتفتتها. التوجه الآخر المطروح هو إسقاط النظام عنوة مهما كلف الأمر، حتى ولو تطلب ذلك استجلاب تدخل حلف الناتو عسكرياً وتدمير البنية التحتية للجيش والمجتمع كما حصل في العراق وأفغانستان وأنا، وغالبية الشعب السوري ترفض هذا التوجه رفضاً كاملاً، ومنهم كل معارضة الداخل، وبعض معارضة الخارج ومنهم مجلس تنسيقيات الثورة بقيادة الدكتور هيثم مناع الذي يقول صراحة أن التدخل الخارجي خط أحمر. هذا معارض أحترمه، بينما لا يمكن أن أحترم معارضة تجوب الآفاق طلباً لمن يأتي لانتهاك بلادها وتدميرهاً، فقط ليوصلها إلى السلطة.

ربما يطالب الآلاف فعلاً بإسقاط النظام بأي ثمن، ولكن هناك الملايين ممن لا يقبلون بهذا الطرح الجنوني ولن يسمحوا لفئة قليلة أن تجر البلاد نحو الخراب الأكيد. هؤلاء الآلاف الذين تتحدث عنهم يريدون إلغاء الطرف الذي يستعدونه إلغاء كاملاً، ويريدون تدمير السلطة المركزية بشكل جذري ليتمكنوا هم من الوصول إلى الحكم. ولكن نحن نعلم، أنه عندما تختفي السلطة المركزية فإن الأطراف الجديدة المتصارعة على كعكة الحكم لا تتورع عن فعل أي شيء يزيد من حصتها في السلطة، وهناك العديد من الأطراف المتنازعة القوية بين جماعة "الثورة" وكلها – باستثناء معارضة الداخل ربما - مرتبطة بدول اقليمية ودولية نعلم تماماً أنها لا تهتم البتة لحياة المواطن السوري ولا تقيم له وزناً، بل ستعمل على تدعيم نفوذها بشتى السبل، وستدمر في سبيل ذلك الوطن السوري. الشعب السوري لا يريد ذلك و لا يقبله، ولن يسمح بحدوثه، ولذلك هو في مجمله مع القيادة بالرغم من آلام الإرهاب.

تشير التقديرات إلى أن الحرب على ليبيا قد أودت بحياة أكثر من 50 ألف مواطن ليبي، مع جرح وتشويه عدد مشابه وتدمير شبه كامل للبنية التحتية. لماذا لا نجد تغطية تبلغ عشرة مرات حجم التغطية التي تنالها "الثورة السورية؟" من المعروف كذلك أن الحرب الأمريكية على العراق قد كلفت ما يزيد على المليون شهيد عراقي، إضافة إلى تهجير ملايين العراقيين داخل العراق وإلى خارجه. لماذا لم نشاهد تغطية تبلغ مئتي ضعف ما نشهده اليوم من تغطية للأزمة السورية؟

بمعنى أن تكون هناك حوالي الألف قناة تضخ عشرات آلاف الساعات يومياً ضد الاحتلال الأمريكي؟ هل قاطعت الدول العربية أمريكا وأقامت الدنيا على رأسها بسبب قتلها هذا العدد الكبير من المواطنين العراقيين، وهي الغيورة على الدم العربي؟ هل اجتمعت جامعة الدول العربية وقررت وقف التعاون مع الولايات المتحدة؟ لم يحصل بالطبع. لماذا؟ لأن التغطية الإعلامية كاذبة وخداعة أولا، ولأن مواقف هذه الدول لا علاقة لها لا بحقوق الشعوب، ولا بالديمقراطية ولا بغير ذلك من الكلام المعسول ثانياً، بل لها علاقة بحسابات دول كبرى تريد تحقيقها ولو حطمت في طريقها ملايين الأرواح.

أنا لا أريد أن أرى حرب أهلية في سوريا، ولا أريد أن أرى تدخل للناتو في بلدي، ولا أريد أن يأتي علينا يوم نعد فيه ضحايا البلد بمئات الآلاف لا سمح الله. من يدعون – كاذبين – أنهم حزينون على خمسة آلاف شهيد، رحمهم الله جميعاً، هم أنفسهم يستجدون التدخل العسكري الغربي ويسمون الجمع باسم مجلس الأمن والحظر الجوي، مع علمهم اليقين أن ذلك سيفتح حرباً سيكون ضحاياها بمئات الآلاف، فكيف يمكن أن أحترم معارضة بهذا المستوى الأخلاقي المنحط؟.

أنا مع إعطاء الرئيس فرصة لتطبيق الإصلاحات الطموحة التي أعلن عنها، ولو استغرق ذلك بعض الوقت، فقد أعلن عنها ولا مجال الآن للتراجع ولن يقبل الشعب السوري بالعودة إلى الوضع الذي كان من قبل، وبهذا يكون الحراك الشعبي قد نجح في تحقيق نقلة نوعية إلى الأمام.

أما الإصرار على سقوف عالية جداً وغير واقعية، وعلى خطاب تحريضي مجنون، وعلى مستوى أرعن من الضغط فهو قد يولد انفجاراً لا تحمد عقباه، خاصة أنه لا يوجد فعلا حالة ثورة ناضجة في البلد؟

الربيع العربي انطلق من تونس وامتدت الشرارة إلى كل من مصر وليبيا والبحرين واليمن – شعوب المنطقة تطالب بإسقاط الأنظمة نجحت حتى الآن في كل من تونس وليبيا ومصر .. أنت كسوري ما هي توقعاتك للثورة السورية؟

ما يسمى بالربيع العربي لا يمكن اختزاله بهذه الصورة الرومانسية. نعم هناك هذا الحراك الشعبي، وهناك حراكات أخرى ذات طابع دولي واستخباراتي واستعماري، تدخل على الخط فتعبث برغبات الشعوب وتحرف مساراتها وتحاول الركوب عليها.

لا، لست معك بأن الشعوب نجحت في نيل ما تريد في الدول التي ذكرتها. في تونس، وفي مصر خاصة الأنظمة لم تتغير، وكل ما حدث هو إسقاط الرئيس، بينما بنية الجيش كلها بقيت كما هي، والجيش في الحقيقة، كان هو من قام بإسقاط الرئيس.

في ليبيا كانت الصورة أبعد ما تكون عن الثورة الشعبية، ولم يسقط القذافي بجهود هؤلاء الرعاع الذين لا يعرفون سوى إطلاق الرصاص في الهواء وصيحات التكبير كلما رأوا كاميرا تلفزيونية، بل بسبب قصف الناتو المركز الذي لم تصوره أو تنقله قناة واحدة توحد الله. ما حصل في ليبيا كان حرب جوية من قبل الناتو مع حرب أرضية شاركت فيها قوات خاصة بريطانية وفرنسية، ولا يمكن بشكل من الأشكال أن نسميها ثورة شعبية عضوية.

في سوريا، كما قلت لك، لاتوجد مقومات لتسمية ما يجري بالثورة، ولذلك أنا غير موافق على هذه التسمية ولا يوجد ما يمكن أن يسمى بالثورة السورية. توقعاتي هي أن الجهات الخارجية الراعية والممولة والملهمة والمحرضة لهذا الحراك في الداخل ستستمر في التحريض ودفع الأموال وتهريب السلاح والمقاتلين إلى الداخل السوري، ولكنهم لن يتمكنوا من اجتراح جيب مستقل عن الدولة، ولن يتمكنوا من الانتصار في أية معركة على الأرض، ولن يتمكنوا من كسب الشارع السوري، بل إنهم يخسرونه بشكل مؤكد مع مرور الوقت.

المؤشرات لا تشير إلى حرب وشيكة لأن الجهات الراعية المذكورة لا تقوى على تحمل تبعات ذلك، ولأن الجيش السوري قوي ومسلح ومدرب ومتماسك وعالي الولاء للنظام، ومدعوم من قوى مهمة إقليمياً وعالمياً.

وفي الداخل قلت لك أن الوسيلة الوحيدة لإسقاط النظام هي أن يخرج مئات الآلاف سلمياً بغرض إسقاطه، مع غياب خروج مقابل للمؤيدين، وهو ما لم يحدث خلال عشرة أشهر ويمكنك الوثوق بأنه لن يحدث، لأن الرئيس لديه شعبية حقيقية في الشارع السوري ولو لم ترد وسائل الإعلام الاعتراف بذلك، ولو خبط مجلس اسطنبول رأسه بمئة حائط. إذا لم تذهب الأمور باتجاه حرب شاملة، فسنجد أنه في وقت ما، ستتم تسوية إقليمية، وسنجد أن هذه القنوات قد انكفأت فجأة وصمتت.

حتى ذلك الحين، ستستمر التغييرات في الداخل وسيعلن قريباً عن الدستور الجديد وسيعرض على مجلس الشعب ومن ثم على الاستفتاء العام ليتم إقراره، وستمضي الإصلاحات بتشكيل أحزاب جديدة وطنية وقوية، لتخوض انتخابات مجلس الشعب الجديدة في آذار لتأتي بمجلس شعب أكثر تمثيلاً للمواطن السوري وأفضل أداءً.

أكبر الخاسرين من الحراك القائم هو حزب البعث وأنا غير آسف على ذلك أبداً لأنه حزب قد تحجر، ولم يعد هناك مكان لدولة الحزب الواحد في سوريا. أما أكبر الرابحين فقد كانت المؤسسة العسكرية التي أثبتت كفاءة وتماسكاً عاليين.

 ألبرتو فرنانديز لـ"آفاق": قناة "الحرة" بلا هوية وأطمح إلى تحويلها لـ"واحة" للليبراليين ومنبر للأفكار التنويرية
 سخط عام في أوساط التشاديين إثر اغتصاب طالبة على أيدي أبناء مسؤولين كبار بالدولة
 منظمة شبابية تدعو سكان منطقة واشطن للمشاركة في "حرب الكرات الثلجية"
 قيادي في القاعدة يقترح على الظواهري مبايعة "الدولة الإسلامية" لاختراقها من الداخل
 الكاتبة الأميركية بريتني برسلي تدعو النساء لفتح "عقولهن" قبل "أرجلهن"
 حوار مع مبتعثة عائدة عن حقوق الشيعة في السعودية
 رسالة مفتوحة تناشد أوباما مناقشة قضية "مواليد السعودية" مع الملك
 نوال الهوساوي .. حبيبة الشعب والنظام مؤقتا
 الدين والتدين ولمعلمين
 عم ندى الأهدل لـ"آفاق": "الإخوان" يعيقون قوانين تحديد سن الزواج في اليمن
 معارضون سودانيون: منعنا من السفر لن يعطل عملنا مع الجبهة الثورية التي نتفق معها على ضرورة اسقاط النظام
 جمعية حقوقية سودانية: حظر نشاط طلاب الجبهة الثورية انتهاك قد ينسف الاستقرار بالجامعات
 ناشط عراقي يعلن كفره بالإسلام الوهابي ويتهم آل سعود بدعم الإرهاب
 ناشط عراقي يعلن كفره بالإسلام الوهابي ويتهم آل سعود بدعم الإرهاب
 سعاد الشمري: الليبراليون السعوديون يحتفلون بعيدهم ويجددون المطالبة بإطلاق سراح رائف بدوي
 صحف بريطانية تخلط بين داعية إسلامي شهير ومحرر مجلة تابعة للقاعدة
 تهدئة في عُمان وتصعيد على ضفاف الخليج الاخرى
 غفلة الغرب عن مخاطر الإسلام السياسي
 احتدام الحرب الباردة تفتك بنا نحن صغار القوم في الخليج!
 المثليتان ميس وسارة لـ"آفاق": المثلية لاتنحصر في الجنس فقط ونريد أن يعرف الناس بأن لديهم خيارات في هذه الحياة
 الدولة المدنية ... آفاق وتصورات
 سأشتري سيارة هذا العيد!
 يا أحرار العالم ادعموا انتفاضة السودانيين لاسقاط نظام البشير قبل فوات الأوان

 

 

 

 

 

الأسم:
عنوان التعليق:
نص التعليق:

 

Untitled 1  من أنا | لمراسلة الموقع | تسجيل | مساعدة | اتفاقية استخدام الموقع Untitled 1
Copyright ©  2006-2012 aafaq.org . All rights reserved
Powered by hilal net Co.