إذا كان التيار القومي العربي يعتقد بقيام الأمة على أساس اللغة (تماماً كما يؤمن الإسلاميون بقيام الأمة على أساس الدين)، فهذا لا يعني أن كافة الناطقين بالعربية يعتنقون هذا الفكر (تماماً كما لا يؤمن كل مسلم بالإسلام السياسي وبمنطق الأممية الإسلامية).
أنني لا أنكر هنا أن اللغة المشتركة عامل وحدةٍ قادرٌ على تقريب أعضاء متباعدين في أمةٍ ما. ولكن اللغة في حد ذاتها ليست معياراً موضوعياً كافياً لصناعة الأمم، تماماً مثلما أن الدين ليس حكراً على عرقٍ معين أو قبيلةٍ بعينها. فتتقاسم الكثير من شعوب العالم لغةً مشتركة من دون أن تشكل أمةً واحدة. ففي الحقيقة، ليس المصريون عرباً أكثر مما هم أسبان المكسيكيون والكوبيون. كما أنهم ليسوا عرباً أكثر مما هم إنكليز الأميركيون والأستراليون. ولا هم عربٌ أكثر مما هي فرنسية بعض الشعوب الإفريقية. فإن عوامل تشكل أمة معينة هي الانتماء إلى كيانٍ جغرافي وتشاطر القيم والعادات نفسها وتوافق في التطلعات والأفكار والمصالح والرغبات والذكريات والأحلام المشتركة. وعلى عكس جميع التجارب القومية التي عرفها العالم والتي جاءت لتجسد وقائع قومية موضوعية، فالقومية العربية هي خالقٌ للأمة العربية أكثر مما هي نتاجٌ لها.
يتطلع منظرو القومية العربية الى أن تكون البلدان التي ينطق غالبية سكانها باللغة العربية جزءاً من فضاء عربي موحد، وأن يعلن كل شخصٍ ناطق بالعربية نفسه عربياً من دون التباسٍ أو تحفظات، على الرغم من مرجعياته الثقافية والتاريخية. إن هذا التصور الاعتباطي للأمة الذي ينادي بأن يكون المرء عربياً رغماً عنه، لمجرد أنه يستخدم اللغة العربية، يتنافى مع سير تاريخيةً مهمة ومطالب قومية شرعية روج لها ملايين الأفراد المنتمين للأقليات المهمشة التي تسكن منطقتنا.
ولعلنا نذكر هنا أنه في نهاية القرن التاسع عشر، حين ظهرت للمرة الأولى حركةٌ قومية عربية منظمة، شملت شبه الجزيرة العربية والهلال الخصيب ولكنها لم تأخذ مصر والسودان بعين الاعتبار. وقد توجب علينا في مصر انتظار انقلاب من سموا أنفسهم بالضباط الأحرار حتى يبشرنا عبد الناصر بالعروبة، ويورط الجيش المصري في حروب لم تكن لنا فيها لا ناقة ولا جمل واليوم نجد في الجامعة العربية مختلف بلدان شمال إفريقيا التي كثيراً ما يقمع فيها الأمازيغ، وكذلك بلداناً إفريقية لا يتحدث سكانها لغة يعرب مثل الصومال وجيبوتي وجزر القمر بل إنني استمعت ذات مرة إلى الإعلامية اللبنانية ماريا معلوف وهي تسأل الأمين العام السابق لجامعة الدول العربية د. عصمت عبد المجيد رأيه في فكرة انضمام تركيا وإيران وإثيوبيا إلى الجامعة ولو بصفة مراقب!
إن هذا التصور التوسعي المسيء للهوية وللشعب العربي يتنافى تماماً مع الأخلاق العربية الأصيلة، ويتعارض كذلك مع الطابع التعددي الذي تميزت به منطقة الشرق الأوسط على مر العصور وحتى مطلع القرن الماضي، حينما برزت نخبنا الثقافية الساعية إلى التخلص من قبضة الإمبراطورية العثمانية المهزومة في الحرب العالمية الأولى - وكذلك قوى الانتداب (المملكة المتحدة وفرنسا) التي تقاطعت مصالحها مع القوميين العرب في تلك المرحلة - ووجدت في القومية العربية تفسيراً عملياً ومبسطاً للقضايا التحررية في المنطقة.
غير أن تلك الأطروحة الوحدوية بشموليتها لم تقدم حلولاً واقعية وعادلة لمختلف النزاعات التي لا تزال تمزق المنطقة، فسياسة التعريب القسري والتنكيل بالأقلية الكردية في العراق، وقمعهم في سورية، والتضييق على الأقليات القبطية في مصر والآشورية والكلدانية في العراق، والتحرش بمن تبقى من جاليات يهودية في بعض البلدان (اليمن وسورية والعراق) واللجوء إلى العنف، والترهيب والانكار الثقافي الموجه لكل أقلية ترفض الخضوع لما تفرضه النزعة القومجية العروبية لم تنتج إلا مزيدا من العنف والمآسي. وهذا يجب ألا يعتبر تعدياً على الهوية العربية الأبية. فالقومية العربية (Arabism) ليست غير شرعية بحد ذاتها، ولكن التعريف الموسع لها (Pan-arabism) والذي يبشر به حزمةٌ من العروبيين ذوي التوجه الثقافي الحصري يتعرض لهويات الشعوب غير العربية التي تبنت اللغة العربية كلغةً وطنية، بل وحتى تلك التي لم تقم بتبنيها ولا سيما شعوب القرن الافريقي.
إذا كان للتدخل العسكري في العراق وإسقاط نظام صدام حسين القومجي نتيجة إيجابية واحدة، عدا البدء الخجول في عملية سياسية ديمقراطية، فهو بالتأكيد إلقاء الضوء على التنوع المذهبي واللغوي والثقافي الكبير الذي تتمتع به منطقة الشرق الأوسط، وتبقى مسألة القبول باختلاف وبهوية الآخر التحدي الأكبر أمام القوميين العرب.